الخط الأخضر الخط الأخضر
 
اخبار بيئية آراء ومقالات البيئة والسياسة البيئة والإقتصاد البيئة والقانون ابحاث ودراسات منوعات بيئية كوارث
English
 
آراء ومقالات
تصغير الخط تكبير الخط
العلاقات العامة لا تحمي البيئة
بقلم: نجيب صعب

 

ما لم يتحوّل الكلام على البيئة الى قوانين رادعة وأفعال، يبقى صيحات ألم وتأوّهات عجز. حتى أننا بتنا نتخوف من أن يُصبح كلامنا صراخاً في صحراء، يستمع إليه قراء ليس بيدهم حيلة، ولا يفهمه معظم من هم في موقع المسؤولية، ويستغله تجار البيئة على طريقتهم.

 

كتبنا عن برنامج فرز النفايات المنزلية في المصدر في بيروت، الذي بدأ قبل سنوات بوضع مستوعبات على نحو استعراضي، في أماكن عامة مزدحمة، حيث لا يحتاج اليها الناس. وأوضحنا بالصورة كيف توضع فيها كل انواع النفايات، إلا تلك المخصصة لها، لأنها، عدا عن كونها في المكان الخطأ، لم تترافق مع حملات توعية. كما أظهرنا كيف تقوم شركة النفايات بخلط محتويات هذا المستوعبات في الشاحنات، فيضيع أي أثر للفرز في المصدر، إذا وجد أصلاً. ثم توصلها الى موقع التجميع حيث تفرزها مجدداً، وترسل المواد غير المربحة إلى المكبات.

 

أما النفايات العضوية التي تعالج بالتسبيخ، فيرسل معظمها إلى المكبات أيضاً، اما لعدم صلاحيتها للاستعمال كسماد وإما لسوء التسويق. وفي كل هذه المراحل، تتقاضى الشركة بدلات عن الفرز في المصدر، والفرز في المصنع، والتسبيخ، والرمي في المطمر، وهي عمليات مكرّرة، تجعل من كلفة معالجة النفايات واحدة من الأعلى في العالم. وقد اتخذت شركات منافسة من مقالاتنا حجة للمطالبة بفسخ العقد مع المقاول للحلول محله، مع العلم أن برامجها، التي اطلعنا على بعضها، لن توصل الى نتيجة أفضل، بل تعيد توزيع المغانم.

 

في غياب الرقابة الصحيحة والقانون الرادع، كان رد مقاول النفايات حملة علاقات عامة إعلانية، شملت جميع وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، بكلفة ملايين الدولارات. وبعد سنوات، ما زالت مستوعبات "الفرز في المصدر" أمام مدخل مطار بيروت وبوابة الجامعة الأميركية، بدل أن توضع أمام محلات السوبرماركت مثلاً حيث يمكن استعمالها، وما زالت محتوياتها تجمع عشوائياً وترسل الى الفرز اليدوي فالطمر.

 

أما التحقيق ـ الفضيحة الذي نشرناه عن ممارسات مصانع الاسمنت والكيماويات في شمال لبنان، وتواطؤ بعض المسؤولين في تغطية مستوى الملوثات منها، فقد أخّر تطبيق خططها لحرق إطارات المطاط السامة في أفرانها، لأن بلديات القرى المجاورة تبنّت الحملة. لكن الممارسات الملوّثة لهذه المصانع ما زالت مستمرة، مترافقة مع حملات علاقات عامة إعلانية تتحدث فيها عن دورها في دعم الاقتصاد الوطني، وتدّعي تبنيها لقضايا حماية البيئة، وكأن ملوثاتها في الجو والبحر والأرض عطور.

 

وقد لفتنا مؤخراً حملة إعلانية واسعة لمركز تجاري كبير قيد الانشاء في بيروت، تتحدث عن احترام المشروع للاعتبارات البيئية، من "الجنائن المعلقة" إلى مواقف السيارات التي تمنع زحمة السير. غير أن التحقيقات المدفوعة الثمن لم تتطرق الى المشاكل الأساسية التي عرضناها في مقال سابق عن الموضوع. فالمركز التجاري، الذي يقوم على مساحة عشرين ألف متر في حي سكني مزدحم، حجب آخر فسحة خضراء في المنطقة، ولم يترك أي متنفس لسكان الجوار. أما الحديث عن "الجنائن المعلقة" فمدعاة للسخرية، إذ لا تتعدى هذه بعض النباتات المعربشة التي تتدلى على جدران الباطون المسلح، بينما مسطحات المبنى صحراء من الاسمنت الأسود ومواقف السيارات الداخلية تتصل مباشرة بطرقات مزدحمة أصلاً، بلا تخصيص خط خدمة، مما سيتسبب بزحمة سير خانقة وتلوّث شديد.

 

وكانت هيئات بيئية في دول عربية قد خصصت ميزانيات كبيرة لحملات علاقات عامة تتوخى تحسين صورتها، كردّ على تقارير تثبت تردي حالة البيئة فيها، بدل إطلاق برامج جدية لتصحيح الأوضاع على الأرض. إنه لمن دواعي الخيبة أن تصرف الملايين في حملات للعلاقات العامة والاعلان للرد على مقالاتنا، في حين يستمر إهمال العمل لتحسين الاداء ورفع شأن البيئة. ولن يوقف هذه الممارسات الشاذة إلا القانون الرادع، الذي يعاقب المخالفين على أساس معايير علمية صارمة.

تصغير الخط تكبير الخط  
 
 
ادخل ايميلك ليصلك جديدنا