الخط الأخضر الخط الأخضر
 
اخبار بيئية آراء ومقالات البيئة والسياسة البيئة والإقتصاد البيئة والقانون ابحاث ودراسات منوعات بيئية كوارث طب وعلوم
 
البيئة والإقتصاد
تصغير الخط تكبير الخط
الاقتصاد الأخضر والأمن القومي

كان أشهر الألوان في مجال الاقتصاد حتى وقت قريب هو اللون الأسود؛ والذي تصبغ به الأسواق كأحد مكونات الاقتصاد، وذلك عند الحديث عن الأسواق السوداء التي تتم فيها عمليات البيع والشراء في الظلام، وبعيدًا عن القانون والعرف السائد في بلد ما، ويتعامل فيها أفراد مستغلون. ولكن أصبح ينافس هذا اللون لون جديد هو اللون الأخضر؛ والذي اتسعت رقعته لتلوِّن جميع مفردات الاقتصاد وليس الأسواق فقط؛ فأصبح هناك اقتصاد أخضر تباع فيه سلع ومنتجات خضراء، وله حسابات قومية خضراء مثل: الدخل الأخضر، والميزانية الخضراء، وميزان المدفوعات الأخضر.

 
بل أصبح هناك مؤسسات خضراء مثل البنوك الخضراء والمحال التجارية الخضراء، ورغم أن اللون الأخضر الذي توصف به السلع أو الحسابات القومية أو البنوك لا علاقة له بالزرع أو الأشجار الخضراء؛ لكن هذه الأشجار الخضراء وما ترويها من مياه، وما تحتاجه من هواء، وما تنتجه من ثمار وأخشاب عناصر هامة من عناصر الاقتصاد الأخضر؛ لأن مصطلح الاقتصاد الأخضر جاء أساسًا من الربط بين الاقتصاد والبيئة بما فيها من موارد مثل المياه والغابات والنفط والهواء وغيرها.

 

من الصيد إلى استعمار الفضاء: لقد اقترن تصرف الإنسان ككائن اقتصادي بخلقته بالتأثير على البيئة؛ ففي العصور السحيقة امتد أثر الإنسان على البيئة من خلال عدة أوجه، كان أولها صيد الحيوانات، ثم قيام الإنسان باختراع الزراعة واللجوء إلى إزالة الغابات واستئناس الحيوانات لأغراض اقتصادية وسعيًا وراء الربح. ولكن كان أكبر مؤثر على البيئة في العصور الحديثة هو الصناعة التي اتخذت من الحيوانات في بادئ الأمر مصدرًا للقوى المحركة، ثم استخدمت البخار المستمد من حرق الفحم وانبعاث ثاني أكسيد الكربون المعروف بأثره السلبي على البيئة، ثم استبدال البترول والغاز كمصادر للطاقة بالفحم.


وقد زادت الآثار السلبية على البيئة بعد استخدام الإنسان للصناعات الكيماوية بكل أشكالها فرغم أن هذه الصناعات استحدثت عددًا من العقاقير والمركبات الكيماوية التي كان يراها الإنسان في البداية ذات فائدة اقتصادية عظيمة في حياته إلا أنه بعد فترة اكتشف أنها من أخطر مصادر التلوث فمثلاً مادة " دي .دي . تي " عندما استحدثها الإنسان كان يعتبرها الوسيلة المثلى للقضاء على الأوبئة والملوثات؛ ولكن بعد فترة اكتشف أن أضرارها تفوق فوائدها لدرجة أن الحكومات قامت بتجريم استخدامها، ومع التطور الصناعي والتكنولوجي أصبحت البيئة أكثر تأثرًا بالنشاط الاقتصادي للإنسان لدرجة امتداد هذا التأثير السلبي إلى الفضاء الخارجي بعد استخدام الإنسان للطيران والصواريخ وغزو الفضاء الخارجي وحرب النجوم واستخدام الطاقة النووية في الصناعة.

 

تعظيم الاستهلاك وعولمة التلوث: لقد زاد حجم استهلاك الفرد زيادة كبيرة في السنوات الأخيرة وتحسنت درجة الرفاهية في مختلف دول العالم سواء المتقدمة أو النامية لدرجة أنه أطلق على هذا العصر "عصر الاستهلاك " وكان أخطر ما نجم عن ذلك زيادة حجم النفايات المتخلفة عن هذا الاستهلاك وعن استخدام الوسائل الجديدة للرفاهية، وأصبحت هذه النفايات تمثل خطورة على البيئة وعلى تواصل عملية التنمية، وذلك لأن زيادة الاستهلاك في العالم ارتبطت بتراكم مخلفات من مواد مصنعة غير قابلة للتحلل في التربة وملوثة للتربة والمياه مثل: البلاستيك واللدائن ومواد التغليف وغيرها من المواد المركبة التي يصعب التخلص منها، وعلى سبيل المثال يوجد بالهند -رغم أنها دولة نامية- حوالي 60 ألف طن من النفايات يوميًا، وهذه الكمية تتضاعف مرات ومرات في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا لأن المستهلك في هذه الدول يستهلك أضعاف ما يستهلكه غيره في الدول النامية بسبب اختلاف أنماط المعيشة ومعدلات الرفاهية.


لقد ظلت العلاقة بين البيئة والتنمية الاقتصادية علاقة متوازنة طوال الفترة التي كان الاستهلاك يتوازن مع الإنتاج الذي يفي بحاجات السكان ومتطلباتهم، ولكن عندما تجاوزت العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك هذا التوازن وصلت البيئة إلى الخط الحرج الذي يمثل الخط الفاصل بين الاستخدام الرشيد للمواد والاستغلال الجائر لها حيث بدأت المشاكل التي تتعرض لها البيئة تأخذ صفة التدمير الكلي لجميع مظاهر التنمية الاقتصادية والاجتماعية في معظم أرجاء العالم، وأصبح التصرف المخالف للبيئة التي ترتكبه أي دولة ينتقل إلى الدول الأخرى من خلال الهواء أو المياه أو المنتجات التي تصدرها، ومن هنا كان لا بد من تحرك العالم على المستوى الإقليمي والدولي لضبط استخدام البشرية للموارد الاقتصادية، وذلك للحفاظ على تواصل عملية التنمية، وكان المؤتمر الأول للأمم المتحدة حول البيئة والتنمية في السبعينيات يسعى إلى تحقيق الانسجام والتكامل بين البيئة والتنمية من منظور اقتصادي وقانوني وإعلامي.


وعلى مدى السنوات الماضية تم عقد العديد من المؤتمرات الدولية لهذا الغرض كان أشهرها "قمة الأرض" التي عقدت عام 1992 في "ريو دي جانيرو"، كما وقعت معظم دول العالم على العديد من الاتفاقيات والتي بلغت أكثر من 140 اتفاقية من أجل الحفاظ على البيئة، وحُدد يوم 5 يونيو من كل عام كيوم عالمي للبيئة، وظهرت جماعات مدنية رسمية وأهلية تدافع عن البيئة؛ وكان أشهرها الجماعة التي لونت نفسها باللون الجديد وهي "جماعة الخضر".

 

الاقتصاد الأخضر يغير مفهوم الأمن القومي: لقد ارتبط مفهوم الأمن القومي للدولة في الماضي بالأمن العسكري، ولذلك كان التركيز على بناء قوة قادرة على التعامل مع الأخطار الخارجية باستخدام الأعمال العسكرية، ولكن التفسير الشامل للأمن القومي في الوقت الراهن هو قدرة الدولة على تأمين استمرار مصادر قوتها في كل المجالات بما فيها المجال الاقتصادي لمواجهة المخاطر التي تهددها وتأمين متطلبات الحياة الأساسية لأبنائها في الحاضر والمستقبل، ويرتبط هذا التأمين بتلوث البيئة أو الاستخدام الجائر للموارد الذي قد يؤدي إلى خلل داخلي وانهيار عناصر قوة الدولة، ولذلك أصبح التحدي الذي يواجه العالم على المستوى الوطني أو الإقليمي أو العالمي يتعلق بالتوفيق بين النمو الاقتصادي والسكاني من ناحية، وبين الحفاظ على العناصر الأساسية للحياة من خلال الحفاظ على البيئة من ناحية أخرى. ومن هنا أصبحت المشاكل البيئية من الممكن أن تهدد الأمن القومي من خلال التأثير على الانتعاش الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، بل إن تأثير مشاكل البيئة امتد إلى تغيير مفهوم الأمن العالمي الذي انتقل من "توازن القوى والردع والتعايش السلمي والأمن الجماعي" إلى مفهوم آخر هو "الأمن المشترك" والذي يقوم على أن الأمن الحقيقي لا يمكن توافره إلا من خلال التعاون والتنسيق بين جميع الدول حتى الأعداء، وذلك لأن تدمير البيئة من خلال النشاط الاقتصادي يؤدي إلى الضعف الاقتصادي والاجتماعي وتهديد نوعية الحياة للإنسان ;على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، ومن ثم يصبح التنافس بين الدول أكثر ضراوة، ويؤدي إلى نشوب توترات سياسية، ولذلك أصبح هناك تداخل بين المشاكل الاقتصادية والسياسية من جانب، وبين المشاكل البيئية من جانب آخر. ولم يعد من الصواب أن نقول إن التنمية التي تتعدى الحدود الطبيعية تعتبر تلوثًا، وإنما الصحيح أن نقول إن تلوث البيئة يمنع التنمية أصلاً، فتلوث المياه يفسد الزراعة. كما لم يعد من الصواب أن نقول فقط إن النزاعات الداخلية أو فيما بين الدول تؤثر على البيئة، بل الصحيح أن نقول إن تدهور البيئة يؤدي إلى اشتعال الصراعات بين الدول.

 

التنمية السوداء: لقد أدى إدخال البعد البيئي في مجال الاقتصاد إلى تغير مفهوم التنمية الاقتصادية من مجرد زيادة استغلال الموارد الاقتصادية النادرة لإشباع الحاجات الإنسانية المتعددة والمتجددة إلى مفهوم "التنمية المتواصلة أو التنمية المستدامة " حيث تعرف التنمية المستدامة أو المتواصلة بأنها: نوع من أنواع التنمية تفي باحتياجات الحاضر دون الجور على قدرة الأجيال القادمة في تحقيق متطلباتهم، فالتنمية المتواصلة لا تمنع استغلال الموارد الاقتصادية مثل: المياه والنفط والغابات، ولكنها تمنع الاستغلال الجائر لهذه الموارد بالدرجة التي تؤثر على نصيب الأجيال القادمة من هذه الموارد، وخاصة إذا كانت موارد قابلة للنضوب أو غير متجددة كالنفط مثلاً.


في نفس الوقت تمنع التنمية المتواصلة تحميل الأجيال القادمة أعباء إصلاح البيئة التي تلوثها الأجيال الحالية. وأصبح هناك تفرقة في نظريات التنمية الاقتصادية بين التنمية التي تراعي الجوانب البيئية وتعرف بالتنمية الخضراء أو المتواصلة أو المستدامة وبين التنمية الاقتصادية البحتة التي لا تراعي البعد البيئي والتي أصبحت محل انتقاد من كافة الأوساط والمؤسسات الاقتصادية العالمية؛ لدرجة أن البعض يطلق عليها "تنمية سوداء"، وقد أصبحت المؤسسات الاقتصادية العالمية تهتم بإعداد حسابات قومية على أساس مراعاة البعد البيئي، وتعرف باسم "الحسابات القومية الخضراء" وهي حسابات تقوم على أساس اعتبار أن أي تحسن في ظروف البيئة وفي الموارد الاقتصادية هي زيادة في أصول الدولة، وأن أي تناقص في الموارد الاقتصادية أو إضرار بالبيئة هو زيادة في التزامات الدولة ونقص في أصولها.

الاقتصاد الأخضر من مطالب النظام العالمي الجديد: لقد تم إدخال مفهوم الاقتصاد الأخضر والتنمية الخضراء في قواعد النظام العالمي الجديد، فأصبحت المعايير البيئية من أهم الشروط التي يجب توافرها في السلعة حتى تدخل إلى الأسواق العالمية، وأصبح من حق بلدان العالم منع دخول سلعة معينة إلى أسواقها لأن الدولة المنتجة لها لا تراعي البعد البيئي عند إنتاج هذه السلعة مثل: السلع الملوثة للبيئة، أو السلع التي يقوم إنتاجها على أساس الاستغلال الجائر للموارد، أو تؤثر على التوازن البيئي؛ مثل: تجارة العاج المأخوذ من الأفيال، أو الفرو المأخوذ من الحيوانات النادرة، أو السلع التي يمكن أن تضر بالصحة الإنسانية مثل: السلع الزراعية أو الفواكه التي يستخدم في إنتاجها أسمدة كيماوية معينة مثل: اليوريا أو ترش بمواد كيماوية أو تستخدم طرق الهندسة الوراثية أو التعديلات الجينية في إنتاجها، ولذلك أصبحت المصانع والمزارع في أغلب بلدان العالم حريصة على وضع علامة على منتجاتها توضح أن هذه المنتجات خضراء أو أنتجت بطريقة آمنة بيئيًا. كما ظهرت مؤسسات دولية لمنح شهادات دولية للمصانع والمزارع التي تراعي الجوانب البيئية مثل شهادة الأيزو 14000.


وعلى مستوى المنشآت أصبحت هناك مراكز تجارية عالمية متخصصة في بيع السلع الخضراء التي تنتج بطريقة آمنة بيئيًا، وأطلق على هذه المتاجر "المتاجر الخضراء" وأصبحت تلقى إقبالاً كبيرًا من المستهلكين، وفي السنتين الماضيتين أصبحت بعض مؤسسات التمويل الدولية والقومية في بعض الدول تمتنع عن تقديم تمويل أو دعم للمشروعات التي لا تراعي الجوانب البيئية. وظهرت بنوك لا تمول أو تساهم في مشروعات تلوث البيئة؛ وعرفت هذه البنوك بأنها " بنوك خضراء" وظهر التمويل الأخضر؛ والذي أصبح مجالاً جديدًا للتنافس بين البنوك لجذب عملاء جدد.


ورغم الاهتمام العالمي والإقليمي والقومي بالبعد البيئي للتنمية إلا أنه يبقى عنصر هام جدا لتفعيل عملية الحفاظ على البيئة وضمان تواصل عملية التنمية؛ هذا العنصر هو: الوعي البيئي للفرد نفسه والذي إذا توفر فإنه يكون أكثر فاعلية من سن القوانين والتشريعات، ويوفر كثيرًا من الجهد والمال، ومن ذلك إشاعة التعاليم الإسلامية التي تحث على الحفاظ على البيئة بسلوكيات محددة تجلب له كرامة واحترامًا في الحياة وأجرًا في وثوابًا في الآخرة.

 

بقلم الاستاذ: مغاوري شلبي

تصغير الخط تكبير الخط  
 
 
ادخل ايميلك ليصلك جديدنا