الخط الأخضر الخط الأخضر
 
اخبار بيئية آراء ومقالات البيئة والسياسة البيئة والإقتصاد البيئة والقانون ابحاث ودراسات منوعات بيئية كوارث طب وعلوم
 
البيئة والقانون
تصغير الخط تكبير الخط
الإنتفاع المنصف بمياه الأنهار الدولية (نهر النيل)
15/4/2011

بقلم : أ.د محمد شوقى عبدالعال
 أستاذ العلوم السياسية ومدير منتدى القانون الدولى بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة
 
مقدمة :
 تعددت استخدامات الأنهار الدولية، أى تلك التى تجرى عبر أقاليم دولتين أو أكثر أو تفصل بينها، فى العقود القليلة الماضية فى غير أغراض الملاحة، كالرى وتوليد الكهرباء والاستخدامات الصناعية والمنزلية بشكل كبير، إلى الحد الذى أضحى فيه استخدامها فى الأغراض الملاحية أقل هذه الاستخدامات أهمية.
 
ولقد أدى هذا التعدد فى الاستخدامات، وكثافة الأنشطة المرتبطة بها، إلى مزيد من الندرة فى المياه العذبة ـ والتى هى نادرة فى الأصل ـ وإلى صراعات ومنازعات حولها بشأن حقوق كل دولة من الدول النهرية فى الإفادة من مياه النهر موضوع التنازع فى الأغراض غير الملاحية المختلفة (1) .
 
الأمر الذى أثار العديد من التساؤلات التى تتعلق أساساً بطبيعة ومدى حقوق كل دولة مشاطئة على مياه النهر الدولى، والالتزامات المتبادلة بين الدول المشاطئة وبعضها البعض. فإذا كان لكل دولة نهرية حقوق مساوية لحقوق الدول الأخرى، فكيف يجرى التوزيع المنصف لمنافع النهر، وما هى الالتزامات التى تقيد الدولة النهرية فى مواجهة غيرها من الدول النهرية عند استخدام حصتها. كما تتعلق ـ أى هذه التساؤلات ـ بمدى التزام الدولة بالاستخدام البرىء للنهر الدولى، ومدى مسؤليتها الدولية عما قد يقع من ضرر من جراء الاستخدام، ومدى الالتزام بالتعاون والإخطار والتشاور بالنسبة للمشروعات المستقبلية. أو إن شئت فقل إن حقيقة أن معظم الأنهار الدولية يمكن أن يكون لها استخدامات متعددة تثير تساؤلين أساسيين، يتعلق أولهما بأولوية الاستخدامات، بمعنى هل هناك نشاط بعينه ـ كالرى أو إنتاج الكهرباء مثلا ـ ينبغى أن يتمتع بالأولوية على ما عداه من الاستخدامات أم لا. ويتعلق الثانى بأولوية المستخدمين، بمعنى هل يمكن القول بتمتع مستخدمين معينين بأولوية الاستخدام على سواهم من مستخدمى النهر. فهل من الممكن القول، مثلاً، بأن بلداً كمصر التى اعتمد ازدهارها على نهر النيل منذ القدم تتمتع بحقوق مكتسبة فى مياه النهر تجب أوتعلو حقوق سواها من الدول المشاطئة للنهر نظراً لأنها تعد من الناحية التاريخية المستخدم الأول لهذه المياه، ونظراً لاعتماد اقتصادها وحياة شعبها شبه الكاملة عليها أم لا(2).
 
ولقد طرح هذا على الباحثين فى نطاق القانون الدولى والعلاقات السياسية الدولية سؤالاً مؤاده إلى أى مدى يمكن القول إن ثمة قواعد قانونية محددة يمكن الارتكان إليها لحل ما قد ينشأ من منازعات فى هذا الصدد بطريقة سلمية، وبما يكفل حداً أدنى من التطبيق لمبدأ حسن الجوار، ويحفظ - فى الوقت ذاته - الحقوق المشروعة لكل دولة من الدول النهرية فى الإفادة من موارد النهر الدولى. كما أدى إلى ظهور قاعدة قانونية جديدة مؤداها أن كل دولة نهرية ينبغى عليها عند استعمالها للجزء من النهر المار عبر أراضيها ألا تتسبب فى أضرار هامة لدولة أخرى من دول المجرى المائى الدولى ( مبدأ الاستخدام البرئ غير الضار ). ثم أدى إلى ظهور قواعد من قبيل التوزيع العادل والمنصف للمياه، وأثار فكرة التلوث وكيفية حماية البيئة النهرية من أخطاره، لاسيما وأن مشكلة التلوث هذه ليست أقل خطورة من مشكلة ندرة المياه ذاتها إذا نظرنا إليها من زاوية الأخطار الصحية التى تنتجها والآثار الاقتصادية التى تحدث بسبب تغير نوعية المياه.
 
ولعل من أهم عوامل التطور التى أصابت قانون المجارى المائية الدولية النظر إلى المجرى المائى ـ رغم مروره فى أقاليم سياسية مختلفة ـ على أنه وحدة طبيعية واحدة أو كل لا يتجزأ، ومن ثم فإن إدارته ينبغى أن تكون تعاونية أو بالتفاهم المشترك بين الدول النهرية صاحبة المصلحة(3) .
 
وتجدر الإشارة فى هذا السياق إلى وجوب التمييز بين حالتين؛ الحالة التى نكون فيها بصدد اتفاقات دولية معينة تنظم طريقة الإفادة من موارد النهر الدولى فيما بين الدول المشتركة فى حوض هذا النهر، وهنا فالأصل أنه ليس ثمة صعوبة كبيرة تعترض طريق التسوية السلمية لأى نزاع ينشأ بين أى من هذه الدول، حيث يمكن الرجوع إلى أحكام الاتفاق أو الاتفاقات ذات الصلة. أما الحالة الثانية فهى تلك التى لا توجد فيها اتفاقات من هذا القبيل، وهنا فالأرجح أن الخلاف واقع لا محالة بين الدول المشتركة فى حوض النهر الدولى الواحد، حيث يمكن لبعض هذه الدول أو إحداها أن تتمسك مثلاً بما شاع فى فقه القانون الدولى التقليدى من نظريات صارت غير مقبولة فى عالم اليوم كنظرية السيادة المطلقة للدولة النهرية على الجزء من النهر الدولى الواقع داخل إقليمها أو المار فيه(4) .
 
والحق انه فى كلتا الحالتين سالفتى الإشارة فإن الاعتبارات السياسية كثيراً ما تكون لها الغلبة على الاعتبارات القانونية، حيث تلعب دوراً لا يستهان به فى زيادة حدة الخلافات بين الدول المشتركة فى حوض النهر الدولى الواحد، والتى قد يكون مردها - أى هذه الخـلافات - إلى محاولة بعض هذه الدول استخدام المياه كسلاح سياسى فى وجه غيرها من الدول. ومن ثم فإن البحث عن القواعد القانونية التى تحكم العلاقات بين الدول المشاطئة للأنهار الدولية، عند تعارض الاستخدامات، للوقوف على أولوية استعمال مياه تلك الأنهار وكيفية التوفيق بين الرغبات المتعارضة، ليس بحثاً نظرياً فحسب، وليس بحثاً فى علاقات الدول المتشاطئة ومصالحها المتعارضة فقط، وإنما هو بالإضافة إلى ذلك بحث لصيق الصلة بالمصالح الاقتصادية والاجتماعية - بل والسياسية فى كثير من الأحيان - للمجتمع الدولى ذاته، بما يمثله من أهمية كبيرة لتحقيق السلم والأمن الدوليين بين الـدول التى تشترك فى نهر دولــى واحد (5) .
 
ولعل نهر النيل يعد مثالاً واضحاً فى هذا الصدد، حيث يجمع فى طياته عناصر كثيرة للخلاف بين الدول المشاطئة له، كما يحوى قبل ذلك عناصر كثيرة أيضا لإمكانية التعاون وتعظيم المنافع فى المقابل إن حسنت النوايا. فهو واحد من أطول انهار العالم، إن لم يكن أطولها على الإطلاق. وتمر مياهه من منابعها إلى مصابها فى أقاليم عشرة دول، تتباين فيما بينها تبايناً كبيراً فى عدد السكان، وفى مدى اعتمادهم على مياهه، بين دول يمثل فيها النهر المورد الوحيد تقريباً للمياه – ومن ثم الحياة – كمصر، التى يعتمد سكانها فيما يربو على 95% من احتياجاتهم من المياه عليه، وأخرى ـ كغالبية دول المنابع – لا تعانى من قلة الماء وإنما من إفراط المطر وكثرته إلى الحد الذى يجعل نهراً واحداً فى بلد واحد من هذه الدول يلقى فى المحيط سنوياً ما يزيد على عشرين مثل حصة المياه التى تحصل عليها مصر من نهر النيل. ولايحكم علاقات هذه الدول العشر فيما يتعلق بمياه النيل اتفاق واحد، فنهر النيل ربما كان هو النهر الدولى الكبير الوحيد الذى لايحكم استخداماته اتفاق دولى يجمع كل الدول المشاطئة له، رغم وجود اتفاقات ثنائية ومتعددة الأطراف ـ ولكنها غير جامعة – تحكم بعض جوانب هذه العلاقات. وفضلاً عن هذا جميعه فإن ثمة تدخلات وضغوطاً سياسية تمارسها دول من خارج دول الحوض على بعض دوله من أجل تعويق أوجه التعاون المحتملة، وهى كثيرة، وإثارة القضايا الخلافية بدلاً منها، وذلك لتحقيق أهداف سياسية لها فى علاقتها ببعض دوله الأخرى .
 
الوضع القانونى لنهر النيل فى ضوء مبدأ الانتفاع العادل والمنصف :
 ليس ثمة شك فى أن غياب اتفاقية تضم كل الدول العشر المشاطئة لنهر النيل(6) ، وغياب هيئة دولية دائمة لإدارة النهر وتطوير الانتفاع به، وإعلان بعض دول المنابع كإثيوبيا أحياناً عن تحفظها بالنسبة لما تسميه حقوقها فى مياه النيل، إنما يطرح تساؤلات حول حقوق والتزامات كل دولة من هذه الدول العشر والقواعد التى تحكم الانتفاع المنصف بمياه هذا النهر وأولويات هذا الانتفاع عند تعارض الاستخدامات، وأسلوب التنسيق والإدارة المشتركة لهذه المياه مقارنة بالمعمول به فى العديد من الأنهار الدولية الأخرى، وما إذا كانت هناك وسيلة لتطوير الانتفاع بالنهر لتحقيق المنفعة المشتركة للدول المشاطئة دون إضرار بحقوق بعضها البعض. لاسيما وأن متطلبات التنمية فى دول أعالى النيل ومحاولاتها لتغيير أسلوب الرى لديها إلى الرى الدائم بدلاً من الاعتماد على الرى المطرى فحسب، بالإضافة إلى مشروعات الطاقة الكهربائية، والمشكلات المرتبطة بالزيادة السكانية السريعة لديها، تعنى أن هناك تغييراً يكتنف مسألة حاجة هذه الدول إلى مياه النهر. فالظروف التى كانت تضمن لمصر – باعتبارها أفقر الدول العشر من الناحية المائية وأكثرها احتياجاً لمياه النيل(7) - تدفقاً دائماً وهادئاً لهذه المياه، نتيجة لانخفاض كثافة سكان هذه الدول، أو لتمتعها بموارد مائية أخرى(8) ، إلى الحد الذى كانت فيه المشكلة بالنسبة لبعض هذه الدول ليست فى قلة الماء وإنما – على حد تعبير أ. د. جمال حمدان – فى إفراط المطر، ومن ثم الحاجة إلى مشاريع صرف(9) ، أو لتدهور الأوضاع الاقتصادية فيها، أقول إن هذه الظروف باتت محل مراجعة كبيرة من جانب هذه الدول(10) ، إلى الحد الذى دفع العديد منها إلى المطالبة بإعادة النظر فى الاتفاقيات القائمة بصدد نهر النيل، وعلى رأسها اتفاقيتي 1929، و1959 – واللتان سنعرض لهما تفصيلاً فيما بعد – مبدية اعتراضها على الوضع المتميز الذى تتمتع به مصر فى هذه الاتفاقيات، بل وبالغ بعضها إلى حد مطالبة مصر بوجوب دفع ثمن المياه التى تصل إليها للدول التى تأتى هذه المياه عبر أراضيها أى دول المنابع(11) .
 
على أنه لما كانت مصر، من بين كل دول حوض النيل، إضافة إلى كونها دولة المصب، تعتمد على النيل كمصدر رئيسى أو بالأحرى كمصر وحيد للمياه المستخدمة فى أغراض الشرب والزراعة، فإن أى اقتطاع للمياه فى أعالى النيل؛ بما يستتبعه من انخفاض فى كميات المياه المتاحة لمصر، سيترتب عليه ضرراً بليغاً بها، وهو ما يتعارض مع مقتضيات مبدأ الانتفاع المنصف والعادل على ما تقدمت الإشارة(12).
 
والحق أنه إذا كان اعتماد مصر الكلى على مياه النيل – قديماً وحديثاً – قد جعل المصريين أول من يدرك أهمية، بل وحتمية، إقامة علاقات تعاون وثيقة وتنسيق مع باقى شعوب حوض النيل، فإن الأخيرة بدأت تدرك فى العقود القليلة الماضية أهمية التقارب والتعاون للإفادة القصوى من مياه النيل ولضمان توزيع وحسن اســتغلال وإدارة مياهه ومرافقه (13).لاسيما وأن طبوغرافية النيل، وامتداده الكبير، وكثرة متغيراته وصعوباته، وما يضيع من كميات هائلة من مياهه فى منطقة المستنقعات فى بحر الجبل وغيرها، من شأنها جميعاً أن تؤدى إلى تضافر جهود كل دول حوض النيل من أجل تحقيق المصلحة المشتركة والاستغلال الأمثل لمياه هذا النهر.
 
الاتفاقيات الخاصة بتنظيم استغلال مياه نهر النيل :
 ليس معنى ما تقدم – من القول بغياب اتفاقية عامة تضم كل الدول العشر المشاطئة لنهر النيل – أن دول حوض النيل لم تصل بعد إلى اتفاقيات أو معاهدات تحكم تفاصيل تعاونها اللازم أو تعهداتها بشأن مياه النيل. فالواقع أنه توجد فعلاً كثيراً من هذه المواثيق الدولية، والتى تشكل فى مجملها إطاراً لحقوق والتزامات هذه الدول بشأن نظام نهر النيل(14) . وإن كان من الجدير بالإشارة فى هذا الصدد أنه لا توجد اتفاقية جامعة تضم دول شبكة النيل العشر تتناول تنظيم استعمال مياهه.
 
بل إن المعمول به فعلاً الآن هو عدة اتفاقات متفرقة ترتبط بها بعض دول هذه الشبكة مع بعضها البعض. من ذلك:
 1- البرتوكول الموقع بين بريطانيا وإيطاليا سنة 1891 بشأن تحديد مناطق نفوذ كل منها فى شرق أفريقيا، والذى نصت المادة الثالثة منه على أن إيطاليا – صاحبة السيادة على الحبشة آنذاك – تتعهد بألا تقيم على نهر عطبرة أية إنشاءات للرى من شأنها أن تؤثر تأثيراً محسوساً على كمية مياه نهر عطبرة التى تصب فى نهر النيل.
 
2- مجموعة المعاهدات المعقودة بين بريطانيا وإثيوبيا، وبينها وبين إيطاليا وإثيوبيا بشان الحدود بين السودان المصــرى - البريطـانى وإثيـوبيا وإريتريا، والموقعة فى أديس أبابا فى 15مايــو1902، والتى يتعــهد الإمبراطور مينليك الثانى ملك ملوك الحبشة بموجبها بألا ينشىء أو يسمح بإنشاء أية أعمال على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط يكون من شأنها تعطيل سريان مياهها إلى نهر النيل إلا بالاتفاق مع حكومة بريطانيا وحكومة السودان المصرى البريطانى.
 
3- الاتفاق المبرم بين حكومة بريطانيا العظمى وحكومة دولة الكونغو والموقع فى لندن فى 9 مايو 1906 والذى تتعهد حكومة الكونغو بموجب المادة الثالثة منه بألا تقيم أو تسمح بإقامة أية منشآت قرب أو على نهر سميليكى أو نهر أيسانجو يكون من شأنها تخفيض كمية المياه التى تصب فى بحيرة ألبرت إلا بالاتفاق مع حكومــة السـودان المصــرى – البريطانى.
 
4- المذكرات المتبادلة بين بريطانيا وإيطاليا فى ديسمبر 1925 والتى تعترف فيها الحكومة الإيطالية بالحقوق المائية السابقة ( التاريخية ) والمكتسبة لمصر والسودان فى مياه النيل الأزرق والنيل الأبيض، وتتعهد بألا تنشئ فى أقاليم أعالى تلك الأنهارأو فروعها أو روافدها أية منشآت من شأنها تعديل كمية المياه التى تحملها إلى نهر النيل بشكل محسوس.
 
5- اتفاقية مياه النيل بين مصر وبريطانيا العظمى بالنيابة عن السودان وكينيا وتنجانيقا – تنزانيا – وأوغندا فى عام 1929 والتى تقضى بتحريم إقامة أى مشروع من أى نوع على نهر النيل أو روافده أو البحيرات التى تغذيها كلها إلا بموافقة مصر(15) ، لا سيما إذا كانت هذه المشروعات ستؤثر على كمية المياه التى كانت تحصل عليها مصر أو على تواريخ وصول تلك المياه إلى مصر. والحق أن هذا الاتفاق، والذى أخذ شكل المذكرات المتبادلة بين مصر وبريطانيا، يعد علامة بارزة فى تاريخ نهر النيل(16) ، حيث أظهر اعتراف الأطراف المعنية بمبدأ الحقوق المكتسبة، كما حظى فيه مبدأ التوزيع المنصف والعادل Equitable Sharingأيضاً بالاعتراف(17) ، وقد أكد هذا الاتفاق بوضوح على عدم قيام أعمال رى أو توليد طاقة هيدروكهربية على النيل أو فروعه أو على البحيرات التى ينبع منها، سواء فى السودان أو فى البلاد الواقعة تحت الإدارة البريطانية، يكون من شأنها إنقاص مقدار كمية المياه الذى يصل إلى مصر، أو تعديل موعد وصوله أو تخفيض منسوبه، بما يؤدى إلى إلحاق ضرر بمصر، إلا بعد موافقة مسبقة منها. كما نص أيضاً على حق مصر فى مراقبة مجرى نهر النيل من المنبع إلى المصب، وتوفير كل التسهيلات اللازمة للحكومة المصرية للقيام بدراسة ورصد الأبحاث المائية لنهر النيل فى السودان(18) .
 
6- اتفاقية لندن المبرمة بين بريطانيا ( نيابة عن تنجانيقا- تنزانيا حالياً ) وبلجيكا (نيابة عن رواندا وبوروندى ) فى 23 نوفمبر 1934، والتى تقضى مادتها الأولى بأن يتعهد الطرفان بأن يعيدا إلى نهر كاجيرا قبل وصوله إلى الحدود المشتركة لكل من تنجانيقا ورواندا وبوروندى أية كميات من المياه يكون قد تم سحبها منه قبل ذلك لغرض توليد الكهرباء. فالسماح باستغلال مياه النيل لتوليد الطاقة الكهربائية لا يجوز بحال أن يمس – طبقاً لهذه المادة – كمية المياه التى تتدفق من منابعه إلى المجرى الرئيسى فيه(19) .
 
7- المذكرات المتبادلة بين مصر وبريطانيا ( نيابة عن أوغندا ) فى الفترة ما بين يوليو 1952 ويناير 1953 بشأن اشتراك مصر فى بناء خزان أوين – الذى أنشئ فعلاً عام 1954 – لتوليد الطاقة الكهربائية من المياه فى أوغندا، والتى اتفق فيها الطرفان على تعلية خزان أوين لرفع منسوب المياه فى بحيرة فيكتوريا نيانزا، كما اتفقا على التعويضات التى تمنح لأهالى أوغندا الذين يصيبهم ضرر من جراء ارتفاع منسوب مياه البحيرة، والذى من شأنه زيادة حصة مصر من مياه الرى وتوليد كهرباء تضمن مزيداً من الطاقة لكل من أوغندا وكينيا. ويعد هذا الاتفاق مثالاً واضحاً على التعاون والتنسيق بين بعض دول شبكة النيل(20) ، حيث تضمن قيام مصر بالمساهمة المالية فى بناء الخزان بغرض توليد الكهرباء لاستخدامها فى اوغندا، فى مقابل زيادة حصة مصر من مياه النيل لأغراض الرى عن طريق المياه التى تحجز خلف الخزان.
 
ويمكننا فى هذا السياق أن نبدى على اتفاقية 1953 الملاحظتين التاليتين:
 أولاً: أن المذكرات المتبادلة المتعلقة بهذه الاتفاقية قد أشارت إلى اتفاقية 1929 وتعهدت بالالتزام بها، ونصت على أن الاتفاق على بناء خزان أوين سيتم وفقاً لروح اتفاقية 1929. ومن ثم تكون اتفاقية 1953، فى جانب منها، بمثابة تأكيد على اتفاقية 1929 التى يثار بشأنها الجدل فى وقتنا الراهن، وتأكيد بالتالى على ما جاء بها من وجوب تأمين وصول المياه إلى مصر فى مواعيدها دون نقصان.
 
ثانيا: أن اتفاقية 1953، والتى تعهدت فيها بريطانيا نيابة عن أوغندا بأن إنشاء محطة توليد الكهرباء فى أوين وتشغيلها لن يكون من شأنه خفض كمية المياه التى تصل إلى مصر أو تعديل تاريخ وصولها إليها أو منسوبها بما يسبب أى أضرار لمصالحها، أعلنت فيها حكومة أوغندا أنه يسعدها أن تستقبل لدى انتهاء أعمال إنشاء الخزان، خبيراً مصرياً فى أشغال الرى كى يطمئن – بالملاحظة الشخصية المباشرة فى موقع المشروع – على أن تنفيذه يجرى وفقاً للتعهدات الواردة فى الاتفاقية. وقد تم تنفيذ هذا الالتزام بالفعل حيث توجد فى أوغندا بعثة مصرية صغيرة دائمة قوامها ثلاثة مهندسين من وزارة الموارد المائية والرى لمراقبة تشغيل خزان أوين وكميات المياه المارة فيه.
 
8- هذا بالإضافة إلى اتفاقية الانتفاع الكامل بمياه النيل لعام 1959 بين مصر والسودان بشأن إنشاء السد العالى وتوزيع المنافع الناجمة عنه بينهما والتى تعد فى الواقع مثالاً يحتذى به فى مجال التعاون بين الدول المشاطئة للأنهار الدولية لاستغلال مياه هذه الأنهار، حيث سعت إلى تحقيق نفع مشترك لكل من الدولتين دون إجحاف بالحقوق التاريخية لكل منهما ودون الإضرار بحقوق باقى دول الحوض(21) . فقد أكدت هذه الاتفاقية على احترام الحقوق المكتسبة لطرفيها، وحددت هذه الحقوق بدقة حسماً لأى نزاع، حيث أقرت فى البند أولاً منها بحقوق تاريخية مكتسبة لمصر مقدارها 48مليارم3 سنوياً، وللسودان مقدارها 4 مليار م3 سنوياً.
 
وفى مجال مشروعات ضبط النهر وتوزيع فوائد هذه المشروعات ، اتفق الطرفان فى البند ثانياً على إنشاء السد العالى وتقاسم منافعه، وعلى إنشاء السودان سد الروصيرص على النيل الأزرق وأية مشروعات أخرى تراها السودان لازمة لاستغلال نصيبها، كما اتفقا على قيام مصر بدفع التعويضات المالية والتى قدرت بخمسة عشر مليون جنيه مصرى للسكان السودانيين الذين سيضارون من إنشاء بحيرة السد العالى.
 
كما اتفق الطرفان فى البند ثالثاً على التعاون فى إنشاء مشروعات لاستنقاذ المياه الضائعة فى مستنقعات بحر الجبل وبحر الزراف وبحر الغزال ونهر السوباط، لزيادة إيراد النهر من المياه، على ان يكون صافى فائدة هذه المشروعات من نصيب البلدين بالتساوى، وعلى أن تسهم كل منهما بالتساوى فى جملة تكاليف هذه المشروعات. واتفق الطرفان أيضاً على التشاور بشأن أى مشروعات مستقبلية أخرى تخدم أهداف التوسع الزراعى فى البلدين. هذا بالإضافة إلى ما قضى به البند رابعاً من الاتفاقية من إنشاء هيئة فنية دائمة بين البلدين تعمل على إجراء البحوث والدراسات اللازمة لمشروعات ضبط النهر وزيادة إيراده ومتابعة الأرصاد المائية على منابع النيل العليا، وتختص هذه الهيئة برسم الخطوط الرئيسية للمشروعات التى تهدف إلى زيادة إيراد النهر، والإشراف على تنفيذ المشروعات التى تقرها الدولتان فى هذا الصدد(22) .
 
ومما تجدر الإشارة إليه فى هذا السياق أن دول حوض النيل،عدا إثيوبيا، لم تتحفظ – فى حينه – على أحكام اتفاقية 1959 هذه، وهو ما يعنى الإقرار الضمنى بجميع أحكامها. أما إثيوبيا فقد أبدت تحفظاً عاماً مفاده أن الاتفاقية المذكورة يجب ألا تخل بحقوقها فى مياه النيل. والحق أن التحفظ الإثيوبى يمكن الردعليه بأن اتفاقية 1959 إنما تنظم استخدام الحصص التاريخية لمصر والسودان، والالتزامات المتبادلة بشأن استخدام هذه الحصص وفقاً لمبدأ نسبية آثار المعاهدات. وتكمن قيمة هذه الاتفاقية فى كونها تمثل نموذجاً للتعاون بين بعض دول الحوض فيما يتعلق باستخدام حقوقها التاريخية دون إجحاف بمصالح الآخرين أو إضرار بحقوقهم. فهى لا تخل باستخدام دول المنابع بالحصص التى تستخدمها تاريخياً، ومن ثم فإنها لا تمس بحال من الأحوال مصالح هذه الدول وحقوقها، وإنما هى تنظم فقط استخدام مصر والسودان لحصتيهما التى جرى العمل على الإنتفاع بها تاريخياً.
 
غير أن هذه الاتفاقية تعرضت فيما بعد، ولا زالت، لانتقادات حادة من جانب دول أعالى النيل على إعتبار أنها لم تكن طرفاً فيها ولم يؤخذ رأيها بشأنها، وأن ما ورد فيها بشأن الحقوق التاريخية والطبيعية لكل من مصر والسودان فى مياه النيل إنما يعنى إبقاء الوضع على ما هو عليه دون تغيير، كما وأن اتفاق الدولتين على الاســتغلال الكامل لمياه النيل - والذى يفهم من عنوان الاتفاقية - إنما يعنى، فى فهم هذه الدول، حرمان دول حوض النيل الأخرى من أى أمل فى استخدام مياه النيل غير المستغلة لأغراض التنمية. يضاف إلى ذلك اعتراض دول أعالى النيل على إنفراد مصر والسودان بتحديد حصتيهما المائية، إذ أنه بفرض تسليم هذه الدول بحق البلدين فى مياه النيل أسوة بدول الحوض الأخرى، فإنه ليس من حقهما تحديد حصتيهما على أساس أحادى تحكمى للوفاء باحتياجات مبالغ فيها.
 
والحق أن ثمة لبس يبدو متعمداً فى تفسير نصوص اتفاقية 1959، إذ لا يتصور أن بمقدور مصـر والسودان - حتى وإن أرادتا ذلك - استغلال كامل مياه النيل وهما دولتا مرور ومصب لا يصلهما إلا نسبة ضئيلة من هذه المياه، ويكمن التفسير المنطقى لما ورد بالاتفاقية من حديث عن الاستغلال الكامل لمياه النيل فى أن المقصود به هو مياه النيل الواصلة إلى الدولتين وهى أقل بكثير من الكمية الكلية لمياه النيل. وما اتفاق مصر والسودان على كيفية التعامل مع مطالب دول حوض النيل الأخرى الذى قضت به الاتفاقية إلا تقنيناً للعلاقة الثنائية بينهما إزاء تلك المطالب، ولا يقصد به إعطاؤهما الحق فى إقرار ما تحصل عليه دول الحوض الأخرى من المياه(23) .
 
والواقع أن اتفاقية 1959 إنما تمثل أول تعامل مصرى مع دولة مستقلة فى حوض النيل بعد تصفية الاستعمار فى المنطقة(24) . وقد قام التعامل فيها على أساس رفض السودان لأحكام اتفاقية 1929 وقبول مصر التفاوض حول توزيع الحصص المائية بينها وبين السودان بموجب اتفاقية 1959 بنسبة 3 إلى 1، بدلاً من التوزيع الذى كانت تقرره اتفاقية1929 والذى كانت تبلغ نسبته 12 إلى 1، بمثابة اتجاه نحو توزيع أكثر عدالة طبقا لمبدأ الانتفاع المنصف والعادل فى ضوء كل من الحقوق التاريخية المكتسبة من جانب، وتوزيع العوائد الناجمة عن المشروع – بحيرة السد العالى – من جانب آخر(25) . وهو ما يمثل نموذجاً يمكن لدول حوض النيل أن تحتذيه بدلاً من التصارع حول ما يتبقى من مياه النيل بعد الفاقد الكبير الذى يضيع فى مناطق المستنقعات، حيث تقدر بعض الدراسات هذا الفاقد بما يقارب 90% من إيرادات النهر والتى تضيع هباءاً منثوراً.
 
9 – أبرمت مصر وأوغندا فى مايو 1991 اتفاقية - فى شكل خطابات متبادلــة بين وزيـرى خارجــية الدولتين- بعد مفاوضات مكثفة بينهما بشأن مشروع إنشاء محطة لتوليد الكهرباء على بحيرة فيكتوريا كانت أوغندا قد تقدمت به إلى البنك الدولى لتمويل عملية إنشائه. وقد تضمن هذا الاتفاق ما يلى:
- التزام أوغندا بتمرير التصرفات الطبيعية طبقاً للمعدلات المعمول بها وقت إبرام الاتفاق.
 - التزمت أوغندا فى الفقرة الثانية من الاتفاق بما سبق أن اتفقت عليه الدولتان عند إنشاء خزان أوين عام 1953 من الحفاظ على مدى التخزين البالغ قدره ثلاثة أمتار لصالح مصر.
 - وقد ورد بالفقرة الثالثة فيه أنه يمكن النظر فى تعديل هذه المعدلات لصالح أوغندا لتوليد الكهرباء بناءً على اتفاق الطرفين وبما لا يضر بدول المصب.
- كما جاء بالفقرة الرابعة منه أن التصرف المستخدم للقوى الكهربائية ينبغى أن يكون متوافقاً مع التصرف الطبيعى(26) .
 
ويمكننا أن نبدى على اتفاقية 1991هذه الملاحظات التالية:
 أولاً : أن هذه الاتفاقية وقعتها أوغندا وهى دولة مستقلة وأكدت فيها احترامها لما ورد فى اتفاقية 1953 التى وقعتها بريطانيا نيابة عنها، وهو ما يحوى فى طياته اعترافاً ضمنياً من جانب أوغندا المستقلة باتفاقية 1929 سالفة الإشارة، نظراً لأن اتفاقية 1953 – كما ذكرنا من قبل – كانت قد اعترفت باتفاقية 1929 وأكدت على ما فيها من أحكام واجبة النفاذ.
ثانياً : أن اتفاقية 1991 التى نحن بصددها نصت على أن السياسة التنظيمية المائية لبحيرة فيكتوريا يتعين أن تناقش وتراجع بين كل من مصر وأوغندا داخل الحـدود الآمنة بما لا يؤثر فى احتياجات مصــر المائية(27) .
 
10- وقع الرئيسان المصرى والإثيوبي فى الأول من يوليو 1993 اتفاق القاهرة، والذى وضع إطاراً عاماً للتعاون بين الدولتين لتنمية موارد مياه النيل وتعزيز المصالح السياسية والاقتصادية المشتركة. وقد حوى هذا الاتفاق فى أحد بنوده تعهداً من الطرفين بالامتناع عن أى نشاط يؤدى إلى إلحاق ضرر بمصالح الطرف الآخر فيما يختص بمياه النيل، كما تعهدا بالتشاور والتعاون فى المشروعات ذات الفائدة المتبادلة، عملاً على زيادة حجم التدفق وتقليل الفقد من مياه النيل فى إطار خطط تنمية شاملة ومتكاملة. كما اتفق الطرفان على إنشاء آلية للتشاور حول الموضوعات ذات الاهتمام المشترك بما فى ذلك مياه النيل،وتعهدا بالعمل على التوصل إلى إطار للتعاون بين دول حوض النيل لتعزيز المصلحة المشتركة لتنمية حوض النهر(28) .
 
ومما يجدر الإشارة إليه بصدد هذه الاتفاق أنه قد عقد بين دولتين مستقلتين كاملتى السيادة، ومن ثم فإنه – فيما ينبغى أن يكون – يغلق الباب أمام ما كانت تثيره إثيوبيا فيما مضى بشأن الاتفاقات التى أبرمت بين دول أعالي النيل، حين كانت خاضعة للاحتلال الأجنبى، ومصر. كما أن ما ورد به من التزام مباشر وصريح بالامتناع عن أى نشاط قد يؤدى إلى الإضرار بمصالح الطرف الآخر فيما يختص بمياه النيل، إنما يعنى اعترافاً إثيوبياً صريحاً بالحقوق التاريخية لمصر فى تلك المياه. علاوة على أن هذا الاتفاق يفتح الباب أمام اتفاق أشمل وأعم فى المستقبل يضم فى طياته كافة دول الحوض(29) .
 
ولقد عقدت جولتان من المحادثات المصرية الإثيوبية لوضع هذا الاتفاق الإطاري موضع التنفيذ، تم خلالهما الاتفاق على مبدأ الاستخدام المنصف لمياه النيل على نحو لا يلحق الضرر بأى من دول الحوض، وعلى تخصيص المياه،وتحديد مجالات التعاون بين البلدين، وضم السودان للمفاوضات. وعلى الرغم من أن هذه النتائج تعد إنجازاً غير مسبوق فى علاقات البلدين بصدد مياه النيل، فإن إثيوبيا طلبت بعد جولتين فقط من المحادثات تعليقها متذرعة بأسباب مختلفة رغم الإلحاح المصرى على استئنافها. ويبدو أن إثيوبيا، والتى أعلنت فيما بعد أنها قد علقت المفاوضات لقناعتها بعدم جدية مصر فى التوصل لاتفاق، قد أدركت أنها لم تكن على صواب حين تصورت إمكانية تقديم مصر لتنازلات فيما يتعلق بمياه النيل. على أنه على الرغم من هذا الموقف السلبى لإثيوبيا من هذه المحادثات ، فإن مصر لم تعترض على تمويل البنك الدولى عام 1996لإقامة عدد من السدود الإثيوبية على النيل لتوفير 180 مليون متر مكعب من المياه تم خصمها من حصة مصر والسودان مناصفة، كما وافقت مصر أيضاً فى عام 2001 على طلب إثيوبي آخر لبنك التنمية الأفريقى لتمويل إقامة عدد آخر من السدود الإثيوبية على النيل(30) .
 
والواقع أنه يمكننا أن نبدى على المعاهدات الخاصة بتنظيم استغلال مياه النيل الملاحظات التالية:
 أولاً: أن بعض هذه المعاهدات تناول الوضع الإقليمي والجغرافى للدول المتعاقدة. وكما هو معلوم فإن هذا النوع من الاتفاقات الخاصة بالوضع الإقليمى والحدود إنما تشكل، على ما انتهى إليه الفقه والعمل الدوليان، قيداً أو التزاماً على عاتق الدولة وعلى إقليمها، لا يؤدى انتقال السيادة على الإقليم إلى التحلل منه(31) . وهو ما أكدته المادتان الحادية عشر والثانية عشر من اتفاقية فيينا بشأن التوارث الدولى فى مجال المعاهدات لعام 1978 أخذاً بنظرية الاتفاقات الموضوعية الممتدة(32) .
 
حيث قررت المادة الحدية عشر أنه لا تؤثر خلافة الدول فى حد ذاتها على:
 أ- الحدود المقررة بمعاهدة .
ب-الالتزامــات والحقـوق المقررة بمعاهدة والمتعلقة بنظام الحدود.
 
ويتوافق نص هذه المادة مع ما قررته المادة الثانية والستون من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 فى فقرتها الثانية من أنه لا يجوز الاستناد إلى التغير الجوهرى فى الظروف كسبب لإنهاء المعاهدة أو الانسحاب منها إذا كانت المعاهدة من المعاهدات المنشئة للحدود. وعلى هذا فإنه لا يجوز للدولة الجديدة الناشئة عن الاستقلال – كما هو حال دول حوض النيل – أن تحتج بأن واقعها الجديد يمثل تغيراً جوهرياً فى الظروف يبرر لها إنهاء العمل بالمعاهدات المتعلقة بالحدود أو المرتبطة بها والتى سـبق أن أبرمتها الدولة السلف(33) .
 
أما المادة الثانية عشرة فقد جرى نصها على أنه :
1- لا تؤثر خلافة الدول فى حد ذاتها على:
أ- الالتزامات المتصلة باستخدام أى إقليم، أو بقيود على استخدامه والمقررة بمعاهدة لصالح أى إقليم لدولة أجنبية والمعتبرة لصيقة بالإقليمين المعنيين.
ب-الحقوق المقررة بمعاهدة لصالح أى إقليم والمتعلقة باستخدام أى إقليم لدولة أجنبية أو بقيود على استخدامه والمعتبرة لصيقة بالإقليمين المعنيين".
 
2- ولا تؤثر خلافة دولة ما فى حد ذاتها على:
أ- الالتزامات المتصلة باستخدام أى إقليم أو بقيود على استخدامه والمقررة بمعاهدة لصالح مجموعة دول أو لصالح جميع الدول، والمعتبرة لصيقة بذلك الإقليم.
ب-الحقوق المقررة بمعاهدة لصالح مجموعة دول أو لصالح جميع الدول المتصلة باستخدام أى إقليم أو بقيود على استخدامه والمعتبرة لصيقة بذلك الإقليم.
جـ- أن نص هذه المادة لا يطبق على الالتزامات التعاهدية لدول سلف، تنص على إقامة قواعد عسكرية أجنبية فى الإقليم موضوع التوارث بين الدول وتتعلق نصوص هذه المادة بالارتفاقات الدولية، أى الالتزامات الإقليمية التى تجد أساسها فى العرف أو الاتفاق وتتحملها دولة الإقليم لصالح دولة أو مجموعة من الدول الأخرى وقوامها السماح للأخيرة بالانتفاع بإقليم الدولة المحملة بالارتفاق أو جزء منه. ومؤدى الأحكام التى أوردتها هذه المادة أن خلافة الدول فى حد ذاتها لا يكون لها تأثير على انتقال الالتزامات والحقوق المتصلة والمقررة باستخدام الإقليم وعليه لصالح دولة أو دول أخرى، ولا يستثنى من ذلك إلا الاتفاقات الخاصة بإقامة قواعد عسكرية أجنبية فى الإقليم، فهذه لا تلتزم بها الدولة الخلف(34) .
 
وهكذا فإنه يمكن القول إن هاتين المادتين تقرران أن المعاهدات الخاصة بتحديد ورسم الحدود أو بالوضع الإقليمي والجغرافى لا ينال منها التوارث الدولى أو يمسها فى شيء، وتظل أمثال تلك المعاهدات سارية المفعول وتظل تمثل التزاماً وقيداً على عاتق الدولة الوارثة، كما لا يجوز تعديلها أو إلغاؤها إلا باتفاق الدول الموقعة عليها أو وفقاً للإجراءات المنصوص عليها فى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام1969(35). ومما تجدر الإشارة إليه فى هذا الصدد أن بعض الدول حديثة العهد بالاستقلال كانت قد رفعت شعاراً مؤداه أنها تتحرر تماماً من أية التزامات تكون قد ارتبطت بها الدول الاستعمارية، وأنها تبدأ حياتها الدولية بصفحة بيضاء Clean Slate، وهو الأمر الذى حاولت دول كثيرة منها أن تفرضه من خلال إعلانات من جانب واحد قامت بإصدارها عند إعلان استقلالها، مؤكدة فيها – بشكل أو بآخر – عدم التزامها بأية معاهدات تكون قد أُبرمت باسم الإقليم من جانب الدولة المستعمرة. وكان مؤتمر فيينا لعام 1978، الذى تمخضت عنه اتفاقية توارث الدول بشأن المعاهدات الدولية، قد توصل إلى حل توفيقى عندما عرض عليه هذا الأمر، حيث أكدت الاتفاقية على مبدأ سريان المعاهدات المتعلقة بالحدود الدولية وأنظمتها، والمعاهدات ذات الطبيعة الإقليمية أو العينية على النحو الذى أوردته المادتان الحادية عشرة والثانية عشرة سالفتى الذكر فى شكل مبادئ عامة لا يجوز الخروج عليها أو الاستثناء من تطبيقها إلا بالنسبة لحالة القواعد العسكرية الأجنبية، ثم جاءت المادة السادسة عشرة لتأخذ بمبدأ السجل النظيف او الصفحة البيضاء بوصفها قاعدة عامة حين نصت على أن " الدولة حديثة الاستقلال لا تكون ملزمة بالإبقاء على معاهدة نافذة أو تصبح طرفاً فيها لمجرد أنها – وقت حدوث التوارث بين الدول – كانت معاهدة سارية بالنسبة للإقليم الذى وقع التوارث بين الدول بشأنه، وهو المبدأ الذى يرد عليه بطبيعة الحال الاستثناءات المقررة فى المادتين الحادية عشرة والثانية عشرة(36) .
 
وقد ذهبت محكمة العدل الدولية – كما تقدمت الإشارة – فى أحدث أحكامها بشأن الأنهار الدولية فى النزاع بين المجر وسلوفاكيا بشأن Gabcikovo Nagymaros إلى التأكيد على أن المعاهدات ذات الطابع الإقليمي، ومنها الاتفاقات المتعلقة بالأنهار الدولية، سواء فيما يتعلق بالملاحة فيها، أو استخدام مياهها فى غير أغراض الملاحة، هى من المعاهدات التى لا يجوز المساس بها نتيجة للتوارث الدولى، أى أنها من قبيل المعاهدات الدولية التى ترثها الدولة الخلف عن الدولة السلف، ولا يجوز لها التحلل منها لأى سبب من الأسباب، بل ذهبت المحكمة إلى حسبان المادة الثانية عشرة من اتفاقية فيينا لعام 1978 بشأن التوارث فى المعاهدات بمثابة قاعدة من قواعد العرف الدولى الملزمة لكافة الدول والتى لا يجوز التحلل منها أو الخروج عليها.
وجلى أن هذه القواعد إنما تطبق على علاقة دول النيل بعضها بالبعض فيما يخص القيود والحقوق التى تلتزم بها هذه الدول فى استخدام هذه الشبكة الدولية باعتبار أن المعاهدات التى التزمت بها هى من قبيل المعاهدات العينية التى تنصب على أجزاء تلك الشبكة والتى تجرى فى أراضى كل منها(37) . وحيث أن هذه المعاهدات تتناول بالتنظيم مسائل تتعلق بالتزامات ذات طبيعة إقليمية وجغرافية، فإنها لا تتأثر – من ثم – بمجرد انتقال السيادة على الإقليم المحمل بالالتزامات الإقليمية (أى الإقليم محل الارتفاقات الإقليمية) من الدول المستعمرة (السلف) إلى الدول الجديدة (الخلف). وبعبارة أخرى فإن آثار تلك المعاهدات إنما تنتقل إلى الدولة الخلف بحكم الواقع والقانون، ولا يمكن تعديلها إلا باتفاق جديد تقره كافة الدول المعنية.
 
حاصل القول ، أن سريان الاتفاقيات الدولية الخاصة بنهر النيل والمشار إليها آنفاً لا يتأثر بحصول دول حوض النيل على استقلالها، حيث تظل هذه الدول محملة بالالتزامات – ومتمتعة بالحقوق أيضاً – التى تضمنتها هذه الاتفاقات وفقاً لقواعد قانون التوارث الدولى التى قننتها اتفاقية فيينا لعام 1978(38). وجدير بالإشارة فى هذا الصدد أن لجنة القانون الدولى قد اعتبرت عند بحثها لمشروع اتفاقية فيينا بشأن التوارث الدولى فى مجال المعاهدات، أن المعاهدات المتعلقة بالأنهار الدولية هى من قبيل النظم الإقليمية وفقاً للمادتين الحادية عشرة والثانية عشرة من الاتفاقية، وأشارت على وجه الخصوص إلى اتفاقيات نهر النيل، واتفاقية الأزروم بين العراق وإيران حول نهر الحدود بينهما فى منطقة شط العرب، والاتفاقية الموقعة بين فرنسا وسيام (تايلاند حالياً) حول الملاحة فى نهر الميكونج(39).
 
وعلى الرغم من ذلك فقد أثارت بعض دول حوض النيل مسألة تعديل هذه الاتفاقات، وعلى الأخص اتفاقية 1929، فى مناسبات عدة، كان من أبرزها ما كان فى اجتماع دول حوض النيل العشر فى العاصمة الكينية نيروبى فى منتصف مارس 2004، والذى كررت فيه مصر موقفها الرافض لفكرة إعادة النظر فى الاتفاقيات التاريخية تحت دعوى ضمان ما تعتبره بعض هذه الدول قسمة عادلة لمياه النيل. وجاء تهديد كينيا بالانسحاب من اتفاقية 1929، وتلويح تنزانيا بإنشاء مشروع ضخم على بحيرة فيكتوريا دون تشاور مع مصر، بالإضافة إلى دعوة إثيوبيا للتفاوض مجدداً حول توزيع مياه النيل، فضلاً عن الدعاوى غير الرسمية بوجوب بيع مياه النيل للدول المستفيدة منه، جاءت كلها لتشير إلى أن ثمة تحديات كبيرة تواجه دول حوض النيل فى مجال تحقيق الانتفاع الأمثل به نظراً للتباين الشديد فى الرؤى والمواقف رغم وضوح الأبعاد القانونية للموضوع.
 
والحق أن هذه الدعاوى ليست جديدة، فلقد دخلت علاقات مصر بإثيوبيا على سبيل المثال منعطفاً خطيراً مع بناء السد العالى رغم أن السد لم يكن ليؤثر فى قدرة إثيوبيا على استخدام مواردها من المياه ولا على مشروعاتها التى لم تكتمل فى هذا السياق بسبب قصور إمكانياتها وقدراتها الاقتصادية. وكانت إثيوبيا قد أعلنت مراراً عن عدم الالتزام بأية اتفاقات حول مياه النيل تكون قد أُبرمت قبل نيلها الاستقلال ودون مشاركتها – كدولة مستقلة ذات سيادة – فى المفاوضات الخاصة بها، وذلك فى إشارة إلى معاهدة 1902 سالفة الذكر. كما اعترضت على اتفاقية 1959 بين مصر والسودان استناداً لمنطق الاستبعاد الذى تتضمنه الاتفاقية – من وجهة نظرها – باقتصارها على دولتى المصب والممر، دون دول المنابع. وتؤكد دوماً على حقها فى الاستفادة من أنهارها على النحو الذى تراه ملائماً فى المستقبل بغض النظرعن درجة استعمال الدول المستفيدة الأخــرى - مصر والسودان تحديداً - من هذه المياه، لمواجهة زيادة السكان(40) .
 
ليس هذا فحسب، بل إنه يمكن رد البداية الحقيقية للأزمة بين مصر وباقى دول حوض النيل فى هذا السياق إلى تاريخ استقلال تنجانيقا ثم دخولها فى وحدة مع زنجبار لتشكلا معاً دولة تنزانيا عام 1964، حيث أصدر الرئيس التنزانى جوليوس نيريرى آنذاك إعلاناً عرف باسم "إعلان نيريرى" يقضى بعدم الاعتراف بالاتفاقيات التى عقدتها الدول الاستعمارية نيابة عن مستعمراتها قبل حصول دول حوض النيل على استقلالها، ومن بينها اتفاقية 1929.
 
وسرعان ما انضمت أوغندا وكينيا إلى هذا المبدأ، وطلبت ثلاثيها من مصر التفاوض معها حول هذه المسألة، ثم وقعت تنزانيا مع كل من رواندا وبوروندى فى عام 1977 اتفاقية نهر كاجيرا والتى تتضمن بدورها إنكاراً لاتفاقية 1929. وفى إطار تصعيد الأمر أعلنت كينيا فى منتصف شهر ديسمبر عام 2003 عن نيتها الإنسحاب من اتفاقية 1929، ومرر البرلمان الكينى بياناً يطلب من حكومة بلاده إعادة التفاوض حول هذه الاتفاقية، الأمر الذى علق عليه وزير الرى والموارد المائية المصرى آنذاك بوصفه بأنه عمل خطير للغاية من جانب طرف واحد وأنه يرقى إلى إعلان الحرب. وبعد أن هدأت الأمور فى الجانب الكينى عادت المناوشات بين دول حوض النيل مرة أخرى خاصة بين مصر وتنزانيا فى أعقاب إعلان وزير الثروة المائية فى تنزانيا فى فبراير 2004 عن رغبة بلاده فى استخدام مياه بحيرة فيكتوريا عبر أنابيب تمتد حوالى 170 كيلو متراً لتوصيلها إلى أجزاء واسعة فى الشمال الغربى لتنزانيا تتعرض – وفقاً لما أعلنه الوزير التنزانى – لأزمة مياه وجفاف. وزاد الوزير التنزانى الأزمة اشتعالاً حين قال إن الاتفاقيات المائية المبرمة فى عهـد الاستعمار - فى إشارة إلى اتفاقية 1929- والتى تعطى مصر الحق فى أن توافق أو لا توافق على أى مشروع يقترحه طرف من دول حوض النيل للاستفادة منه لا تلزم – أى هذه الاتفاقيات – بلاده.
 
وعلى الرغم من كل ذلك ، فإنه مما تجدر الإشارة إليه أن التعامل المصرى مع هذه الأزمات ظل هادئاً إلى أبعد مدى. ففى أعقاب تصريح الوزير التنزانى سالفة الإشارة، ورغم خطورتها الحقيقية على حقوق مصر ومصالحها فى مياه النيل، تمت الموافقة خلال اجتماع وزارى ترأسه الرئيس حسنى مبارك وضم وزراء الدفاع والإعلام والخارجية والداخلية والموارد المائية على مذكرة وزير الموارد المائية والتى تدعو إلى تقديم كل العون والتنسيق مع دول حوض النيل سواء داخل مبادرة حـوض النيل- التى سنعرض لها لاحقاً- أو خارجها فى مجال التدريب وتبادل الخبراء والمساعدة فى إيجاد التمويل اللازم للمشروعات التى تعود بالفائدة على دول الحوض، وذلك فى إطار احترام حقوق وحصص المياه التى حددتها الاتفاقيات القائمة، وهو ما يؤكد تمسك مصر بموقفها من عدم تقليص حصتها من مياه النيل وحقوقها التى حددتها كل من اتفاقية 1929 واتفاقية 1959.
 
ثانياً: كانت الدول الموقعة على هذه المعاهدات فى حالات كثيرة دولاً أوروبية من أصحاب المستعمرات، وقعت تلك المعاهدات باسم الدولة أو الإقليم الأفريقى الخاضع لحكمها، ومع ذلك فإن القانون الدولى يعترف بسريان مفعول هذه المعاهدات وفقاً لقواعد قانون التوارث بين الدول. لاسيما وأن هذه المعاهدات لم تأت بمبادئ قانونية جديدة على خلاف القواعد العامة الحاكمة للنظام القانونى للأنهار الدولية، وإنما أكدت فحسب المبادئ التى سبق للفقه والعرف الدوليين قبولها، كمبدأ الاعتراف بالحقوق التاريخية المكتسبة، ومبدأ وجوب التعاون والتشاور والإخطار.
ولقد أكدت هذه الاتفاقات فى جملتها على وجود ما يسمى بحق ارتفاق سلبى لصالح مصر أساساً، ولصالح السودان بعد ذلك، باعتبارهما الدولتين اللتين تقعان فى الأجزاء الدنيا من حوض نهر النيل. وكما تقدمت الإشارة فإن هذه الاتفاقات لم تنشئ مراكز قانونية جديدة لأطرافها، وإنما كشفت فقط عما هو معمول به فعلاً فيما يتعلق بتوزيع مياه النيل(41) .
 
ثالثاً: تكشف العديد من هذه الاتفاقات عن التزام دول حوض النيل من الناحية القانونية بمنح الأولوية المطلقة للحقوق التاريخية والاقتسام السابق للمياه. فبمقتضى البروتوكول الموقع بين إيطاليا – باعتبارها صاحبة الولاية على الحبشة – وبريطانيا فى روما عام 1891 التزمت إيطاليا بضمان وصول حصص المياه التاريخية التى تحصل عليها الدول التى تتلقى مياه النيل بعد مرورها من الحبشة، حيث نص البند الثالث منه على أن " تتعهد الحكومة الإيطالية بعدم إقامة أية أشغال على نهر عطبرة لأغراض الرى يكون من شأنها تعديل تدفق مياهه إلى نهر النيل على نحو محسوس". أما اتفاقية 1902 التى وقعها إمبراطور الحبشة منيليك الثانى مع كل من بريطانيا وإيطاليا فقد تعهد بمقتضاها بألا يصدر أية تعليمات أو يسمح بإصدارها فيما يتعلق بأية أعمال على النيل أو بحيرة تانا أو نهر السوباط يكون من شأنها اعتراض سريان مياهه إلى النيل.
 
كذلك تكشف الاتفاقات التى التزمت بها دول منابع النيل الاستوائية عن إقرارها باحترام الحقوق التاريخية وأولوية الاقتسام السابق، فقد قضت المادة الثالثة من الاتفاق المبرم بين الكونغو وبريطانيا – ممثلة للسودان – عام 1906 بأن " تتعهد حكومة الكونغو المستقلة بألا تقيم أو تسمح بإقامة أية أشغال على نهر سمليكى أو نهر أيسانجو أو بجوار أى منهما يكون من شأنها خفض حجم المياه التى تتدفق فى بحيرة آلبرت، ما لم يتم ذلك بالاتفاق مع الحكومة السودانية".
 
أما اتفاقية استعمال مياه النيل لأغراض الرى المبرمة بين مصر وبريطانيا عن طريق تبادل المذكرات فى عام 1929، والتى أبرمتها بريطانيا نيابة عن كل من السودان وكينيا وتنزانيا وأوغندا، فقد أكدت فيها الحكومة البريطانية فى الخطاب الموجه لرئيس الحكومة المصرية فى السابع من مايو 1929 على أولوية الحقوق التاريخية، حيث جاء بخطاب المندوب السامى البريطانى ما يلى " أذُكر دولتكم أن حكومة جلالة الملك سبق لها الاعتراف بحق مصر الطبيعى والتاريخى فى مياه النيل".
 وهو ذات المعنى الذى أكدت عليه بوضوح تام اتفاقية الانتفاع الكامل بمياه النيل لعام 1959 بين مصر والسودان على ما تقدمت الإشارة.
 ومما تجدر الإشارة إليه فى هذا الصدد أن إثيوبيا، والتى كثيراً ما كانت تنكر مبدأ الحقوق التاريخية على المياه، وهى الحقوق التى أقرت بها لمصر على مياه النيل الاتفاقات سالفة الإشارة، تمسكت – أى إثيوبيا – بالمادة الثانية عشرة من اتفاقية فيينا لعام 1978 المشار إليها آنفاًً فى مواجهة بعض المطالب الصومالية الخاصة برغبة الصومال فى تعديل بعض النظم العينية فى علاقتها بإثيوبيا وعلى الأخص فيما يتعلق بالحدود. وأيدت إثيوبيا تطبيق المادتين الحادية عشرة والثانية عشرة من اتفاقية 1978، وأكدت على ضرورة احترام الدولة الخلف للالتزامات العينية التى قررتها الدولة السلف. وهو ما يعنى أن إثيوبيا تؤيد احترام الاتفاقات العينية التى تضع التزامات بشأن الحدود. ومن ثم فإنه لا يجوز – بداهة – لإثيوبيا أن تتمسك بوجوب احترام هذه الاتفاقات فى مواجهة المطالب الصومالية وتنكرها فى حالة تمسك مصر بها تأكيداً على حقوق مصر التاريخية فى مياه النيل(42) .
 
اتفاقية الأمم المتحدة بشأن استخدام المجارى المائية الدولية فى غير أغراض الملاحة لعام 1997 وعلاقتها باتفاقيات نهر النيل :
 أثار إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لاتفاقية قانون استخدام المجارى المائية الدولية فى غير أغراض الملاحة فى مايو 1997، وفتح باب التوقيع عليها منذ ذلك الحين، التساؤل حول مدى تأثيرها على النظام القانونى لنهر النيل، وعلاقتها بالاتفاقيات الدولية المشار إليها فيما تقدم والسارية بين دوله بشأن تقاسم مياهه واستخداماتها، لاسيما وأن مواقف هذه الدول بشأن اتفاقية 1997 قد تباينت على ما سلف البيان.
 
ومما لا شك فيه أن اتفاقية الأمم المتحدة بوصفها اتفاقية إطارية لن يكون لها تطبيق مباشر على علاقات دول حوض النيل، حتى وإن أصبحت جميع دوله أطرافاً فيها ما لم يتم إبرام اتفاقية خاصة بين هذه الدول تعكس القواعد والأحكام التى وردت بالاتفاقية الإطارية، وتقوم بإنزالها على خصوصيات نهر النيل، وحتى ذلك الحين فإن دول حوض النيل تظل على التزامها باحترام العرف الدولى القائم بشأن استخدام مياه الأنهار الدولية بصفة عامة، والأعراف الإقليمية المتعلقة بنهر النيل بصفة خاصة، بالإضافة إلى ما هو قائم ونافذ بالفعل من اتفاقات دولية ثنائية ومتعددة الأطراف فى هذا الخصوص(43) . ومن هنا كانت عناية مصر بنص المادة الثالثة من الاتفاقية والخاصة بالعلاقة بين الاتفاقية الجديدة والاتفاقات القائمة، والتى تقدم الإشارة إلى أنها – بالصيغة التى تم إقرارها بها – لا تؤثر على الاتفاقات السارية بين الدول المشاركة فى حوض نهر دولى واحد ومن بينها الاتفاقات المتعلقة بنهر النيل.
 
ولقد عبر البيان المصرى الذى تم الإدلاء به عند التصويت على الاتفاقية الجديدة عن هذه المعانى بجلاء عندما قرر أن " وفد جمهورية مصر العربية يود فى هذه المناسبة أن يؤكد على أن الطبيعة الإطارية لهذه الاتفاقية تعنى، فى المقام الأول، أنها تنطوى على مجموعة من المــبادئ والأحــكام العامــة المتعلقة بالاستخدامات غير الملاحية للأنهارالدولية، والقائمة على اتفاق ورضاء جميع الدول التى تتقاسم مياه هذا النهر، ولا يمكن للاتفاقية الإطارية، بحكم طبيعتها، أن تكون قابلة للتطبيق المباشر من حيث الموضوع، على موارد حوض النهر، ما لم تقم الدول النهرية بإبرام اتفاق خاص ينظم العلاقة بينها، حتى ولو كانت جميع هذه الدول أطرافاً فى الاتفاقية الإطارية، وذلك حتى يأخذ الاتفاق الخاص فى الحسبان الطبيعة الخاصة للنهر من النواحى الجغرافية والمناخية والتاريخية والهيدرولوجية، وأن يأخذ فى الحسبان أيضاً ما سبق إبرامه بشأن النهر من اتفاقات ثنائية أو متعددة الأطراف، وما استقر بشأن استخدامات مياهه من أعراف. وهى الأحكام التى يتعين، طبقاً للقواعد العامة فى القانون، أن تكون لها، بحكم خصوصيتها، الأولوية على الأحكام التى تتضمنها الاتفاقية الإطارية (44) .
 
التعاون المائى بين مصر ودول حوض النيل:
 سعت سياسة مصر المائية منذ تأسست فيها الدولة الحديثة على يد محمد على باشا فى بدايات القرن التاسع عشر على الدوام، فى ضوء حقيقة اعتماد مصر شبه الكامل على مياه نهر النيل وكونها أفقر دول الحوض مائياً على الإطلاق، إلى تحقيق هدفين أساسين، هما ضمان التدفق الطبيعى لمياه النيل من ناحية، وتنمية الموارد المائية للنهر للوفاء باحتياجات مصر المتزايدة من المياه مستقبلاً من ناحية ثانية.
 
ولتحقيق ذلك فقد لجأت مصر منذ ذلك الحـين إلى اتباع طرق وأساليب مختلفة (45). فلجأت حيناً إلى التوسع الإقليمى لضمان السيطرة على منابع النيل، على نحو ما بان فى فترة حكم كل من محمد على باشا والخديوى إسماعيل. ولجأت حيناً آخراً، سواء بنفسها أو من خلال بريطانيا بعد احتلالها لمصر ثم السودان، فى سبيل تأمين تدفق مياه النيل من جانب دول المنابع، إلى عقد مجموعة من المعاهدات مع القوى الاستعمارية التى كانت تسيطر على هذه الدول فى ذلك الوقت بالإضافة إلى إثيوبيا، وهى المعاهــدات التى نصت بشكل أو بآخر - كما تقدمت الإشارة فيما سبق- على امتناع هذه الدول عن إقامة أية مشروعات على النيل أو أى من منابعه وروافده يكون من شأنها التأثير على المياه الواصلة لدولة المصب أى مصر، ولدولة المجرى الأوسط أى السودان، سواء من حيث الكمية أو توقيت الوصول إلا بعد التشاور المسبق والاتفاق معها. ثم لجأت فى حين ثالث إلى التعاون مع دول حوض النيل الأخرى لتتقاسم معها منافع النهر، من ذلك على سبيل المثال ما تجلى فى اتفاقية 1929 بين مصر والسودان – وغيرهما من دول الحوض – والتى قامت الدولتان بمقتضاها بالاتفاق – بين أشياء أخرى - على إنشاء خزانى سنار وجبل الأولياء، وما تجلى فى اتفاقية 1949 بين مصر وأوغندا والتى قضت بإنشاء سد أوين على بحيرة فيكتوريا بتمويل مصرى لكى تستخدمه أوغندا فى توليد الطاقة الكهربائية لتغطية استهلاكها المحلى وتصدير الفائض لدول الجوار فى حين تستخدمه مصر لتخزين المياه، بالإضافة إلى اتفاقية 1959 بين مصر والسودان والتى سبقت الإشارة إليها تفصيلاً.
 
والواقع أننا إذا ما حاولنا المفاضلة بين الأساليب الثلاثة سالفة الذكر فإنه سيتبين لنا أن اللجوء إلى القوة العسكرية - والذى كانت صورته المثلى تتجلى فى التوسع الإقليمى فى بعض فترات التاريخ- لضمان التزام دول حوض النيل باحترام تعهداتها الدولية بموجب الاتفاقيات سالفة الإشارة، وإن كان يضمن لمصر، رغم مخاطره الجسيمة وصعوبة اللجوء إليه فى عالم اليوم، التدفق الطبيعى لمياه النيل، فإنه يعجز عن تحقيق الهدف الثانى من أهداف سياستها المائية وهو تنمية موارد النهر بما يفى باحتياجاتها المتزايدة من المياه فى المستقبل، الأمر الذى لا سبيل إلى تحقيقه إلا من خلال التعاون بين مصر وهذه الدول والتسليم – من كلا الجانبين – بمبدأ المشاركة والانتفاع المنصف والعادل قولاً وعملاً. وهو التعاون الذى يجد ما يبرره –أو إن شئت الدقة فقل ما يوجبه- فى حقيقة أن ما يسقط على حوض النيل من أمطار يزيد على 1600 مليار متر مكعب سنوياً لا يصل منها إلى أسوان إلا حوالى 80 مليار متر مكعب سنوياً فقط، بنسبة مئوية تقارب 5% فحسب، وهو ما يعنى أن إجمالي الفاقد من هذه المياه فى عمليات البخر والتسرب وما إليها يقارب 95%، ومن ثم فإن هناك فوائض ضخمة للغاية تحتاج لمشروعات للاستفادة منها واستغلالها على النحو الأمثل(46) . وبالتالى فإن حديث دول أعالى النيل عن وجوب إعادة النظرفى الاتفاقيات القائمة يغدو مضيعةً للوقت والجهد وصرفاً للانتباه عن المصلحة المشتركة المتمثلة فى إمكانية استغلال هذه الفوائض والتى إن أُحسن استغلالها لربما عانت دول حوض النيل من تخمة مائية وليس من نقص أو جفاف.
 
ولعل من الأساليب التى لجأت إليها مصر لتجاوز الجدل المثار من دول أعالى النيل بشأن ديمومة النظام القانونى للنهر، ودون أن يعنى ذلك عدم استعداد مصر لإبرام اتفاقية شاملة تراعى حقوقها الثابتة فى مياه النيل، الدور الكبير لمصر فى دعم محاولات وجهود التعاون الفنى والعمل المشترك بين دول حوض النيل سواء على الصعيد الثنائى أو متعدد الأطراف(47) ، والذى من ملامحه على المستوى الثنائى:
 
1) الموافقة على طلب أوغندا بالتعلية الثانية لسد أوين عام 1991، وعقد اتفاقية تعاون فنى مع كينيا لحفر آبار للمياه الجوفية والمساهمة فى مكافحة الحشائش وورد النيل فى بحيرة فيكتوريا، وعقد اتفاقية إطارية مع إثيوبيا عام 1993 فى مجال استخدام وتنمية مياه النيل.
2) إعادة تفعيل نشاط اللجنة الفنية الدائمة المشتركة مع السودان والتى كان العمل بها قد توقف لعدة أعوام نتيجة للخلافات السياسية بين الدولتين.
أما على المستوى متعدد الأطراف فإن التعاون بين دول حوض النيل يكاد يكون معدوماً أو ضئيل الأهمية. وتفصيل ذلك أنه ليست هناك اتفاقية جماعية تضم كل الدول المشاطئة للنهر تبين حقوقها والتزاماتها المتبادلة، وتحدد كيفية الانتفاع المنصف بمياه النهر، كما أن هذا التعاون – فى صورته الدنيا هذه – يفتقد أيضاً إلى وجود لجنة أو منظمة ذات اختصاصات فعالة تختص بتطوير الشبكة والتنسيق بين دولها وحل المنازعات فيما بينها. ولا ينفى هذه الحقيقة أن ثمة اتفاقاً بين معظم دول الحوض منذ عام 1967 تم بموجبه إنشاء لجنة فنية تختص بإجراء مسح للأرصاد الجوية النهرية لمناطق تجمع الأمطار التى تغذى بحيرات فيكتوريا وكيوجــا وألبرت وروافدها فيما عــرف بمشــروع "الدراسات الهيـدرومـترولوجـية " أو مشــروع "الهيدروميت "، بتمويل من البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة والهيئة العالمية للأرصاد الجوية، وكان الهدف منه معرفة كميات الأمطار التى تسقط على حوض النيل كخطوة أولى فى سبيل دراسة العرض والطلب على مياه النيل والسعى إلى تحقيق الاســتفادة القصـوى منها (48) . غير أن رفض إثيوبيا المشاركة فى المشروع – إلا بصفة مراقب فقط – حد من نجاحه لغياب المعلومات الدقيقة عن مياه الهضبة الإثيوبية والتى تشكل النسبة الأكبر من مياه الحوض الواصلة إلى مصر.
 
كما لا ينفى هذه الحقيقة أيضاً تبنى مصر خلال مؤتمر القمة الأفريقي الذى عقد بلاجوس عام 1980 فكرة إنشاء تجمع لدول حوض النيل، والذى خرجت فكرته إلى حيز الوجود أثناء الاجتماع الوزارى الأول لدول المجموعة فى الخرطوم عام 1983 تحت اسم " تجمع الأندوجو" – وهو تجمع اقتصادى بالأساس – وكان الهدف منه تجنب موضوع مياه النيل مرحلياً والتركيز بدلاً من ذلك على التعاون الإقليمي فى مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية الأخرى على أمل أن تدرك دول حوض النيل جدوى التعاون الإقليمى وفوائده، وتبديد شكوكها إزاء مصــر على نحـو يمهد - تدريجياً - لتناول موضــوع المـياه. وارتبط بذلك هدف آخر وهو السعى لتعزيز العلاقات بين دول الحوض وبعضها البعض وفض منازعاتها بالطرق السلمية باعتبار ذلك الأرضية اللازمة لنجاح جهود التنمية من جانب، ولتبرئة مصر من تهمة العمل على زعزعة استقرار دول الحوض وإثارة الخلافات فيما بينها من جانب آخر. وكان هناك حرص على أن يكون هذا التجمع إطاراً فضفاضاً لجذب كافة دول الحوض إليه، ومن ثم فقد سمح لدول الحوض بالإنضمام إليه كأعضاء أو كمراقبين مع مشاركة الجميع فى اتخاذ القرارات وبتوافق الآراء، وقد انضمت إليه بالفعل كافة دول الحوض كأعضاء أو مراقبين باستثناء إثيوبيا.
 
وكان البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة قد أعد بناءً على طلب الأندوجو دراسة جدوى أولية أكد فيها إمكانيات التعاون الإقليمى وحدد مجالاته. وكان من أوائل المشروعات التى تم التركيز عليها مشروع الربط الكهربائى بين خزان أنجا فى الكونغو والسد العالى بمصر، وقد قدمت كندا وبنك التنمية الأفريقى التمويل اللازم لإعداد دراسة الجدوى الأولية للمشروع.
غير أن الأحداث السياسية عجلت بالقضاء على هذا التجمع دون أن يتاح له الوقت الكافى لإثبات نجاحه، وهو النجاح الذى كانت كافة المؤشرات توحى به وترجحه، حيث اعترضت إثيوبيا بشدة على موضوع الربط الكهربائى لتقديرها بأنه سيكون على حساب استغلال إمكانياتها الهائلة لتوليد الطاقة الكهربائية وتصديرها، واستغلت الخلافات السياسية بين السودان ومصر لتتعاون مع السودان فى ضرب هذا التجمع ولإجهاض الجهود المصرية فى هذا السبيل وعزلها عن دول الحوض والقرن الأفريقى(49).
 
وأخيراً فإنه لا ينفيها ما اتفق عليه وزراء الموارد المائية فى معظم دول الحوض فى ديسمبر 1992 من تأسيس تجمع التيكونيل – اللجنة الفنية للتعاون لتنمية حوض النيل وحماية بيئته – للتعاون الفنى والبيئى وحماية وتنمية مياه النهر، والذى يقوم أساساً على جمع وتبادل المعلومات وإعداد الإحصاءات والتدريب لرفع كفاءة العاملين فى مجالات إدارة مياه النهر. وقد سعى هذا التجمع إلى تحقيق نوعين من الأهداف هما: أهداف طويلة الأجل، وتشمل معاونة الدول فى تنمية وحماية واستخدام الموارد المائية لحوض النيل على نحو متكامل ومستمر من خلال التعاون الشامل بين دول الحوض لتحقيق المنفعة العامة، وكذلك تشمل مساعدة هذه الدول فى التوصل إلى نصيب عادل لكل منها من مياه النيل. وأهداف قصيرة الأجل، وتتمثل فى مساعدة الدول الأعضاء فى تطوير خططها المائية القومية وبحيث تكون متكاملة مع خطة عمل تنمية حوض النيل، وكذلك مساعدتهم فى تنمية البنية التحتية والتقنيات اللازمة لإدارة الموارد المائية لحوض النيل.
 
وفى سبيل تحقيق هذه الأهداف بنوعيها فقد عمل التيكونيل على الاشتراك مع الوكالة الكندية الدولية للتنمية فى وضع أطلس لحوض النيل يركز على الموارد المائية واستخداماتها، كما عمل على وضع خطة عمل لحوض النيل وتنفيذها بالاستناد إلى مساعدة الوكالة من خلال تنظيم ورش عمل حضرها ممثلون عن دول حوض النيل وتم فيها الاتفاق على وضع هذه الخطة والتى تتضمن – من بين أشياء أخرى – تخطيط وإدارة الموارد المائية فى شكل متكامل من خلال تقييم وتحليل الموارد المائية المتوافرة والطلب عليها والخطط القومية لإدارة مياه النهر، علاوة على حماية وتحسين البيئة والمتمثلة فى الحد من تآكل التربة والترسيب وانتشار النباتات المائية فى البحيرات الاستوائية والنيل الأبيض.
 
ولقد كان عقد مؤتمرات "النيل 2002" أحد أبرز أعمال تجمع التيكونيل، وذلك فى إطار تقديم مدخل غير رسمى من أجل تبادل وجهات النظر وتنشيط التعاون حول تنمية حوض النيل. وقد عقدت هذه المؤتمرات على أساس دورى فى إحدى دول الحوض بهدف مناقشة الموضوعات والقضايا التى من شأنها تدعيم التعاون الإقليمي فى الحوض بغية الوصول إلى إطار مؤسسى عام ينسق أوجه التعاون بين هذه الدول ويعزز تنمية مواردها بحلول عام 2002. وقد عُقد المؤتمر الأول فى هذه السلسلة فى مصر فى فبراير 1993، وعُقد الثانى فى السودان فى يناير 1994، ثم عُقد الثالث فى تنزانيا فى فبراير 1995، وعُقد الرابع فى أوغندا فى فبراير 1996، وعُقد الخامس فى إثيوبيا فى أواخر فبراير وأوائل مارس 1997، وعُقد السادس فى مصر فى مارس 1998، وعُقد الأخير فى إثيوبيا فى يونيو 2000. وتتمثل أهداف مؤتمرات " النيل 2002" فى تهيئة المناخ لاجتماع خبراء من دول حوض النيل وخبراء دوليين ووكالات دعم خارجية لتناول قضايا معينة ذات صلة بالتنمية فى حوض النيل، مع مناقشة استراتيجيات إدارة موارد المياه الوطنية وبرامج العمل فى دول حوض النيل وتوافقها فى إطار تنمية متكاملة للحوض، مع تمكين المشاركين من تبادل الخبرات والمعلومات المتعلقة بالموضوع محل المناقشة. وكان من أهم القضايا التى طُرحت أمام هذه المؤتمرات مواصلة التقييم والمراقبة لموارد المياه كأساس للتنمية الشاملة للموارد المائية فى حوض النيل، وتأثير تغير المناخ واستراتيجيات التكيف الممكنة، ودور وكالات الدعم الخارجية، والمحافظة على البيئة فى الحوض وتكاليف حمايتها.
 
ومما تجدر الإشارة إليه فى هذا الصدد أن المجلس الوزارى للتيكونيل قد اعتمد خطة لوضع إطار للأنشطة شملت اثنين وعشرين مشروعاً تبلغ تكلفتها 100 مليون دولار. غير أن مشروع التيكونيل نفسه قد أخفق فى تحقيق أبرز أهدافه والخاصة بإعداد إطار إقليمى وقانونى لنهر النيل يقوم بإدارة شئون النهر على غرار ما تم بالنسبة لكثير من الأنهار الدولية الأخرى. ولكن يحسب للمشروع نجاحه فى تحقيق جملة من الأهداف وخاصة تلك المتعلقة بالتبادل الفنى وتبادل الخبرات والتى ساعدت بدورها على النقلة الأخيرة والمتمثلة فى مبادرة حوض النيل.
 وقد جاءت مبادرة حوض النيل NBI)Nile Basin Initiative) فى فبراير1999، وهى بمثابة شراكة إقليمية تضم دول الحوض العشر، تهدف إلى العمل المشترك لتطوير وإدارة المياه على المدى البعيد، وتقضى بتضافر جهود دول الحوض وصولاً إلى تنمية اجتماعية واقتصادية مستدامة عبر الاستغلال العادل والتوظيف الأمثل للموارد المائية لحوض النيل، لتمثل نقلة نوعية هامة فى موقف دول حوض النيل وسعيها للتصدى لمشكلة المياه. فلأول مرة تنضم كافة دول الحوض بما فيها إثيوبيا لمثل هذا المحفل الإقليمى(50) ، والذى قام على أسس من أهمها(51) :
 
1) أن يتم التعاون على مستويين، جماعى لكل دول الحوض، وفرعى على مستوى النيل الشرقى والنيل الاستوائى، مع مشاركة مصر والسودان على المستويين فى آن واحد.
2) إقامة مشروعات تحقق فائدة للجميع أو لأكثر من دولة من دول الحوض دون إلحاق ضرر بالدول الأخرى.
3) إقامة تنظيم إقليمى لإدارة وتنمية مياه النيل وتخصيصها على أساس الانتفاع النصف.
4) اتخاذ القرارات بتوافق الآراء.
 
وتشمل المشروعات التنموية المتضمنة فى مبادرة حوض النيل خزانات ومشروعات ربط كهربائى، بالإضافة إلى تطوير إدارة مبتكرة للمياه وإدارة مبتكرة للفيضانات والجفاف وأعمال الوقاية مثل مشروعات التصحر والمساقط لتوليد الطاقة الكهربائية فى مواضع الخزانات المختلفة فى إثيوبيا، وقد قدرت تكاليف هذه المشروعات بنحو 30 مليار دولار تقدمها الدول المانحة والبنوك والجهات الدولية، والتى اتفقت فى جنيف عام 2001 على منح المبادرة 140 مليون دولار لتمويل دراسات هذه المشروعات، وعلى إنشاء آلية أو صندوق يتولى بمساعدة بنك التنمية الأفريقى والبنك الدولى مستقبلاً صرف هذا المبلغ وتوفير التمويل اللازم لإنجاز هذه المشروعات.
 
ولقد تم الاتفاق على هيكل مؤسسى للمبادرة يتكون من مجلس وزراء الموارد المائية فى دول الحوض، واللجنة الاستشارية الفنية، والسكرتارية العامة، كما تم الاتفاق على اختيار مدينة عنتيبى الأوغندية مقراً للسكرتارية الدائمة، وعلى أن تكون الرئاسة بشكل دورى.
 
ومما تجدر الإشارة إليه أنه على مستوى الأحواض الفرعية، فقد تم الاتفاق على إنشاء إطار للتعاون بين دول حوض النيل الشرقى، وأصبح وزراء الموارد المائية فى دول حــوض النيل الشرقى - مصر والسودان وإثيوبيا - يجتمعون فى مجلس يطلق عليه Eastern Nile Council of Ministers، وتم تشكيل فريق من الخبراء الفنيين من الدول الثلاث يطلق عليه Eastern Nile Subsidiary Actions Program Team، وقد اجتمع المجلس وفريق الخبراء عدة مرات حيث تم التوصل إلى توقيع وثيقة إستراتيجية للتحرك المستقبلى بين الدول الثلاث مع دراسة عدد من المشروعات التى تقدمت بها كل دولة بهدف التوصل إلى الاتفاق على مشروعات تحقق فائدة للدول الثلاث جميعها.
 
ومن ناحية أخرى فقد أُنشأت مجموعة دول الهضبة الاستوائية، أو ما يعرف بالنيل الجنوبى، وهى بوروندى ورواندا وكينيا وتنزانيا وأوغندا وزائير، (الكونغو الديمقراطية حالياً) تنظيماً مماثلاً انضمت إليه كل من مصر والسودان، وتم التوصل من خلاله إلى إقرار بعض المشروعات التى تتقدم بها إلى اجتماع المؤسسات المالية والجهات المانحة(52) .

الأسانيد القانونية لموقف مصر من التوقيع على اتفاقية الإطار القانونى لنهر النيل:
 ليس ثمة شك فى أن موقف مصر الأخير ، الذى تبدى فى الاجتماع غير العادى لوزراء المياه فى دول حوض النيل الذى عقد فى الثانى والعشرين من مايو الماضى فى العاصمة الكونغولية ( كينشاسا ) والقائم على رفضها التوقيع على مشروع الاتفاقية ما لم يتضمن نصاً صريحاً على حقوق مصر التاريخية المكتسبة فى مياه النيل ، ووجوب الإخطار المسبق عن أية مشروعات على النهر تقيمها إحدى دول المنابع وفقاً لإجراءات الإخطار التى اعتمدها البنك الدولى فى هذا الشأن ، فضلاً عن وجوب أن يكون تعديل الاتفاقية أو أى من بنودها ليس بالأغلبية المطلقة و إنما بالتوافق العام أو بالأغلبية الموصوفة التى تشتمل على كل من مصر والسودان، هو موقف سليم تماماً من الناحية القانونية .
 
ومرد ذلك أن مشروع الاتفاقية لم يبرح حتى الآن مرحلة التفاوض ، وبالتالى فإنه لم يحظ بعد بأية قيمة قانونية ملزمة ، ومن ثم فإنه يحق لأى طرف من الأطراف المتفاوضة أن يعيد النظر ـ دون تثريب عليه ـ في أية مسألة من المسائل المطروحة على مائدة التفاوض .
 
وكما هو معلوم فإن المفاوضات ، وإن طال أمدها ، لا تلزم أطرافها بأية التزامات قانونية على الاطلاق ، وغاية مداها أنها تساعد ، عند الاختلاف فى التفسير ، فى تبين الغاية التى كان يقصدها المتعاقدون حال عدم كفاية وسائل التفسير العادية فى الوصول إلى النتيجة المبتغاة ،لكنها لا ترتب التزاماً بالتعاقد أصلاً ، كما لا ترتب التزاماً بأن يأتى التعاقد على النحو الذى انتهى إليه المتفاوضون فى مرحلة ما من مراحل التفاوض .
 
والحق أن هذا لا يتنافي بحال مع مبدأ حسن النية فى العلاقات الدولية . فليس معنى التمسك بهذا المبدأ أن تتغاضي الدولة عما يكون قد تبين لها من أوجه النقص أو الضرر الذى سيعود عليها جراء إبرام الاتفاقية على ما هي عليه بالنظر إلى تمام التفاوض عليها ، وإلا لكانت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات قد أقرت للتفاوض بمثل هذه القيمة القانونية فى الالزام ، وهو ما لم يحدث ولم يقل به أحد لا فى الفقه ولا فى القضاء .
 
وبالتالى فإن مصر ، بتمسكها بالشروط آنفة الذكر لتوقيع الاتفاق ، لا تكون قد أتت بدعاً من الأمر ، وإنما مارست حقاً قانونياً كفلته له قواعد القانون الدولي ذات الصلة .
والأمثلة على مثل هذا السلوك كثيرة ، لعل أبرزها فيما نحن بصدده ما حدث من اتفاقات فى مواضع عدة من التفاوض حول اتفاقية الإطار القانوني لنهر النيل محل الاهتمام كانت بعض الدول المتفاوضة تعود إلى نقيضها فيما بعد ، وإصرار إثيوبيا أكثر من مرة على إعادة النظر فى المصطلحات الخاصة بموضوع الاتفاقية .
 
وسنعرض فيما يلي لأهم النقاط القانونية التى أثارتها مصر في اجتماع كنيشاسا تأكيداً على حقوقها في مياه النهر وضماناً لاحترام هذه الحقوق :
(أ) تمسك مصر بنص المادة 14B :
جاء تمسك مصر بهذه المادة التى تتحدث عن "الأمن المائي" والاستخدامات الحالية باعتبار أن ذلك يمثل البديل الوحيد المقبول للنص على " الحقوق التاريخية المكتسبة " التى تكفلها لمصر كافة الاتفاقيات الخاصة بنهر النيل . وحتى لا يفهم من توقيع مصر على الاتفاقية دون هذا النص أنه تنازل منها عن الاتفاقيات السابقة والتى تؤكد على هذه الحقوق .
والواقع ان التاريخ يعد عنصراً أساسياً من عناصر الحق فى استغلال مياه الانهار الدولية ، وذلك من خلال النظر إلى الطرق التى تم بها اقتسام وتوزيع حصص المياه بين الدول المعنية خلال حقب التاريخ السابقة .
 
فالحق التاريخي في مياه النهر هو ولاية معينة لدولة ما فى أن تحصل أو تستعمل كمية من المياه وأن تحافظ على الحصول على تلك الكمية على الدوام وفقاً لما جرى عليه التوزيع السابق والمستقر طالما بقيت الظروف والأوضاع على حالها .وهى قاعدة عرفية جرى عليها العمل الدولي من أزمان طويلة . والدول وفقاً لهذه القاعدة ملزمة باحترام حقوق بعضها البعض في مياه الأنهار الدولية بنفس القدر أو الكمية أو الحصة السنوية التى اعتادت الحصول عليها منذ استقر السكان على ضفاف النهر . ومرد ذلك أن هؤلاء السكان اعتادوا علي حياة معينة قوامها مياه النهر وإن أى تغيير فى هذه الكمية نحو القلة يؤدى بالضرورة إلى إضطراب في حياته الأمر الذى قد يهدد السلم والأمن الدوليين فى حالة ما إذا أدى إلى احتكاك بين الدول والشعوب فى هذا الشأن .
 
فالتوزيع السابق للمياه ( الحقوق التاريخية ) يجب أن يُحترم وأن تتم المحافظة عليه لأن مرور وقت طويل على هذا التوزيع ورضا الدول المشاطئة به يعبر عن المساواة فى معناها الحقيقي وعن التوزيع العادل والمنصف لهذه المياه .
 
والحق أن مبدأ " الحقوق التاريخية " هو من المبادئ المستقرة في القانون الدولي ، حيث أكدت عليه على سبيل المثال كل من قواعد هلسنكى 1966 فى مادتها الخامسة ، واتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 فى مادتها السادسة ، وقواعد برلين 2004 فى مادتها الثالثة عشر . كما جرى القضاء الدولي و القضاء فى الدول الاتحادية على الأخذ به ، سواء فيما يتعلق باكتساب الإقليم والسيادة عليه ( فى البر والبحر ) ، أو فيما يتعلق بحقوق الاستخدام والاستغلال ، ما دامت قد توافرت فيه شروط الظهور وطول المدة وعدم اعتراض ذوى المصلحة . وهى الشروط التى انتهت إليها محكمة العدل الدولية فى حكمها فى قضية المصائد النرويجية لعام 1951 حين قررت أن ثمة شروطاً ثلاثة يتعين توافرها للاعتداد بهذه الحقوق ، وهى وجود ممارسة ظاهرة ومستمرة للحق يقابلها موقف سلبى من الدول الأخرى ، مع استمرار هذا الموقف السلبى لفترة زمنية كافية لاستخلاص قرينة التسامح العام ، والذى يبين ـ أى هذا المبدأ ـ الكيفية التى ارتضتها الدول المشاطئة للنهر الدولى فى اقتسام مياهه على مدى تاريخها ، وهو ما يعد أمراً شديد الأهمية لتحقيق السلم والأمن الدوليين لصلتها الوثيقة بالمصالح المباشرة للدول التى تعتمد على مياه الأنهار الدولية فى نموها الاقتصادى والاجتماعى .
 
والواقع أن تمسك مصر بحقوقها التاريخية فى مياه النيل ليس مرده ما ورد بشأن هذه الحقوق فى اتفاقيات نهر النيل لاسيما اتفاقيتي 1929 و 1959 فحسب وإنما هو أبعد من ذلك بكثير .فمرده أساساً إلى استعمال ظاهر لمياه النيل لآلاف السنين لايعوقه عائق على الاطلاق، قامت عليه أقدم حضارة فى التاريخ دون وجود بديل حقيقي له ، ودونما اعتراض من أى أحد كان مقيماً طوال هذه الآلاف من السنين على ضفاف النهر ، لاسيما وأن المقيمين عليها خارج مصر كانوا بغير حاجة إليها لإفراط المطر حيث يقيمون . وبالتالى فإن تمسك مصر بهذه الحقوق ليس تمسكاً بما ورد في شأنها فى اتفاقيات النهر وإنما هو تمسك بمجمل تاريخ مصر ووجودها .
 
كذلك فإنه ليس من المنطق فى شئ أن تتفق الدول الأفريقية حديثة العهد بالاستقلال فى أوائل الستينيات من القرن الماضى عند إنشائها لمنظمة الوحدة الأفريقية على التسليم بالحدود المتوارثة عن الاستعمار بالرغم مما بها من عيوب وتشوهات حفاظاً على الاستقرار فى العلاقات الدولية ، ثم تثير بعض دول حوض النيل مسألة أن اتفاقات النهر هى اتفاقات استعمارية وأنها غير ملزمة بها ، متناسية أن حقوق مصر فيها ليس مردها الى هذه الاتفاقات فحسب وإنما الى استعمال دائم ومستمر وظاهر ومستقر لآلاف السنين السابقة ، وأن الحديث عنها يهدد فعلاً الاستقرار والعلاقات بين دول الحوض .
 
(ب) الإخطار المسبق :
 والذى مؤداه وجوب قيام الدولة المشاطئة للنهر والتى قد تعتزم إنشاء مشروع عليه قد يسبب ضرراً لدولة مشاطئة أخرى بإخطار الأخيرة بالبيانات العلمية الدقيقة المتعلقة بذلك المشروع ، وأن تمنحها فترة زمنية مناسبة لدراسة المشروع وإبداء ملاحظاتها واعتراضاتها عليه إن وجدت ، وذلك بهدف درء الأضرار المحتملة أو تخفيضها إلى أدنى حد ممكن ، أو السماح بها بالاتفاق بين الدول المعنية مع التزام الدولة المستفيدة بدفع التعويضات اللازمة .
ومن ثم ، فإنه لا يجوز لأية دولة مشاطئة أن تقوم أو تسمح بتنفيذ أية مشروعات مائية على النهر إلابعد إخطار الدول الأخرى المشاطئة لذات النهر والتشاور معها إن كان لذلك مقتضي ، إذ أن مبدأ الاشتراك فى المياه الذى يحكم الانتفاع بمياه الأنهار الدولية لا يمكن أن يكون فعالاً دون وجود واجب الإخطار والذى يؤدى إعماله إلى تجنب كثير من المنازعات التى قد تثوربين الدول المشاطئة للأنهار الدولية .
 
ومصر فى تمسكها بمبدأ الإخطار المسبق وفقاً للإجراءات التى يجري عليها العمل فى البنك الدولى ، وفى ضوء الخبرات الطويلة التى تثبت أنها لم تعترض على أى مشروع يمثل فائدة لدول المنابع ولا يترتب عليه ضرر حقيقي لها، تكون غير متعسفة في استعمالها للحق ويكون تمسكها بواجب الإخطار المسبق ، والذى تؤكد عليه الوثائق الدولية ذات الصلة ، أمراً له مايبرره .
 
(جـ) مسألة التصويت فى شأن تعديل الاتفاقية أو أى من بروتوكولاتها :
فإنه من البديهى أن اختلاف المصالح القائم أو المحتمل فى المستقبل بين دول المنابع ، وهى الأكثرية الساحقة فى حالة نهر النيل ، ودول المصب ، وهى الأقلية الضئيلة هنا، والتى تقتصر على السودان كدولة ممر ومصر كدولة مصب،سيجعل دول المنابع قادرة دون شك على تغيير ما تشاء من بنود الاتفاقية وبروتوكولاتها إذا ما كان التصويت بالأغلبية.ومن ثم فإن مصر والسودان سيكونان فى موقف شديد الضعف عند التفكير فى تعديل للاتفاقية تقترحانه أو تقترحه دول المنابع أو بعضها .
 
والحق أن اتفاقية على هذا القدر من الأهمية لا يمكن التسليم فيها بمثل هذا النمط من أنماط التصويت وإنما يتعين، كما طلبت مصر ، أن يكون التصويت موصوفاً بشكل يحقق التوازن بين أطراف المعادلة .
 
والواقع أن الممارسة الدولية تشهد العديد من الأمثلة لأنماط تصويت تغاير التصويت بالأغلبية، تهدف إلى تحقيق التوازن وضمان المصالح المتعارضة ، أو إيلاء دول معينة وضعاً متميزاً فى هذا الصدد لسبب أو لآخر .
 
وتتراوح هذه الأمثلة بين التمتع بحق الفيتو ( مجلس الأمن ) والوزن النسبى للأصوات ( بعض المؤسسات الاقتصادية والمالية ) والتوافق العام ، والأغلبية الموصوفة بعدد معين كالثلثين أو الثلاثة أرباع مثلاً ، أو ـ أى الموصوفة ـ باشتراط تضمنها لأطراف بأعينهم كما هو الاقتراح المصرى الأخير الخاص بالأغلبية التى تتضمن صوتي مصر والسودان.
 
 
المراجع
 
1 - راجع فى هذا المعنى:
 U.N., World Waetr Development Report, Water for People, Water for Live, Sharing Water: Defining a Common Interest, UNESCO, New York , 2003, pp.294-295, Yacop,Yosef, Equitable Utilization of the Blue Nile River Sub-Basin: context, problems and Prospects , http://www.tigrai.org\News\articles2003\DrYosef On Nile.htlm,pp.2-3
 2- انظر فى هذا الصدد،لوسيس كافليش، تنظيم استخدامات المجارى المائية الدولية، فى : سلمان محمد أحمد سالمان ولورنس بواسون شازرون ( محرران )، المجارى المائية الدولية : تعزيز التعاون ومعالجة الخلافات، دراسة فنية رقم 414 صادرة عن البنك الدولى، الطبعة الأولى، البنك الدولى للإنشاء والتعمير، واشنطن، 1999، ص 3-4 .
 3- د. على إبراهيم ، قانون الأنهار والمجارى المائية الدولية فى ضوء أحدث التطورات ومشروع لجنة القانون الدولى النهائى ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1997 ، ص 29 – 38 0
4- د . أحمد الرشيدى ، مصر ومياه النيل : تحليل لبعض التوجهات المصرية إزاء العلاقات مع دول حوض النيل ، فى د 0 أحمد يوسف أحمد ( محرر ) ، ندوة المشكلات المائية فى الوطن العربى ( 29 – 31 أكتوبر 1994 ) ، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة ، 1994 ، ص 154- 155 0
 5- راجع فى هذا المعنى ، د . مصطفى عبدالرحمن ، قانون استخدام الأنهار الدولية فى الشئون غير الملاحية وتطبيقه على نهر النيل ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1991 ، ص 6 – 7 6- ما زال نهر النيل هو النهر الأفريقى الكبير الوحيد الذى لا تنظم استعمالات مياهه اتفاقية جماعية عامة، فى الوقت الذى سبقت فيه أنهار أفريقية أخرى فى ترتيب وضعها التنظيمى والقانونى بشكل جماعى كأنهار السنغال والنيجر والزمبيزى. راجع :
د. عبدالملك عودة، بعض قضايا نهرالنيل فى ضوء اتفاقية وقانون استخدام المجارى المائية الدولية فى الأغراض غير الملاحية، فى د. سمعان فرج الله، مرجع سابق، ص 23.
 
7- يعد نهر النيل المصدر الأول – بل نكاد نقول الأوحد – لمياه الوادى فى مصر قديماً وحديثاً. ففى الوقت الذى يسهم فيه النهر بنحو 55 مليار م3 من المياه سنوياً فى مصر، فإن الأمطار تكاد لا تسهم بأى إيراد يذكر فيها، حيث يبلغ معدل الأمطار سنوياً فى أغزر مناطق مصر مطراً وهى منطقة الساحل الشمالى الغربى ما بين 20- 150 ملليمتر ثم يأخذ فى التناقص بشكل مضطرد حتى يكاد ينعدم تماماً فى أقصى جنوب مصر، وإذا علمنا أن المعدل المقبول للإستفادة من مياه الأمطار من الناحية الاقتصادية يتعين ألا يقل عن 600- 700 ملم/ سنوياً، لأدركنا كيف أن معدل الأمطار فى مصر حتى فى حده الأقصى ( 150 ملم/ سنوياً ) يعد غير ذى جدوى من الناحية الاقتصادية. راجع :
 د. أحمد الرشيدى ، مرجع سابق، ص 157.
 ولمزيد من التفاصيل حول الاحتياجات المائية لمصرراجع، د. سامر مخيمر وخالد حجازى، أزمة المياه فى المنطقة العربية: الحقائق والبدائل الممكنة، سلسلة عالم المعرفة، رقم 209، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت، مايو1996، ص 46- 54.
 8- Carreston, Albert, H., The Nile Basin, in Carreston and Others ( Eds.), The Law of Int. Drainge Basins, New York University School of Law, Dobbs Ferry, New York, 1967, pp. 261-267.
9- أ. د. جمال حمدان، شخصية مصر: دراسة فى عبقرية المكان، الجزء الثانى، عالم الكتب، القاهرة، ص 930-936.
 10- لمزيد من التفاصيل حول تزايد استعمالات نهر النيل فى دوله المختلفة راجع:
 Abdel Mageed, Yahia, The Nile Basin: Lessons from the Past, In: Biswas, A.K. (Edt.), Int. Waters of the Middle East, Oxford University Press, Bombay, 1994, pp. 172-174., Yacob, op.cit, p.4.
وكذلك د. محمود أبوزيد، المياه مصدر للتوتر فى القرن 21، الطبعة الأولى، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1998، ص 135-137.
 11- راجع لمزيد من التفاصيل حول هذه الدعاوى والمطالبات،
Katendeko, Ferdinand, How likely is conflict over the Nile waters?, Peace and Conflict, http://www.monitor.ypeace.org /archive.cfm id_article=154,/2001/03/25,pp.1-2Monitor,75
12-راجع فى هذا المعنى د. جلال معوض، الأبعاد السياسية للمشكلات المائية فى المنطقة العربية وتأثيرها على الأمن القومى العربى، أكاديمية ناصر العسكرية العليا، القاهرة، 1995، ص 2-3.
 
13- راجع فى هذا الصدد، وزارة الخارجية، مصر ونهر النيل، القاهرة، 1983، ص 11-14.
 14-Badr, G. Mourci, The Nile Water Queation: Background and Recent Developmnet, Revue Egyptienne De Droit Int., Vol. 15, 1959, pp. 94-117., Pombe, C. A., The Nile Waters Question, Symbolae Verzil, Martines Nijhoff, La Hay, 1958, pp. 275-294., Shahin, Alaa Eldine, Le Nile: UN. Instrument de cooperation inter-Africaine, Int. Symposium on the( Nile Basin), Instituteof African Research and Studies, Cairo University, March, 1987, pp. 58-66.
15- حول ظروف عقد هذا الاتفاق راجع، Katendeko, op.cit., p. 1
 16-Fahmi, A. M., International Rivers Law for non-navigable Rivers with special reference to the Nile, Revue Egyptienne De Droit Int., Vol.23, 1967, pp. 43-45.
 17-راج كريشنا، النظام القانونى لنهر النيل، فى: البنك الدولى، سياسات الندرة: المياه فى الشرق الأوسط، ترجمة أحمد خضر، القاهرة، 1994، ص34-35.
 18- Hosni, Sayed, The Nile Regime, Revue Egyptienne De Droit Int., Vol.17, 1961, pp.80-84.
19-راجع الوثائق الواردة بملاحق كتاب مصر ونهر النيل، مرجع سابق، ص 38وما بعدها، وكذلك أ. د. حامد سلطان، الأنهار الدولية فى العالم العربى، المجلة المصرية للقانون الدولى، المجلد 22، 1966، ص 13-23، وأيضاً راج كريشنا، مرجع سابق، ص 33-38.
وكذلك .
 Helmi, N. A., Some Legal Questions about Irrigation from the River Nile as an Int. River, Revue Egyptienne De Droit Int., Vol. 34, 1978, pp. 128-132.
20- Fahmi, op. cit, pp. 46-47.
21- Shahin, op. cit, pp. 67-71.
22- راجع لمزيد من التفاصيل
 El-Khodari, Nabil, The River: challenges to sustainable development, el%2520Khodari,%2520Nabil,doc+un+1997+watercourses+nile+river09/03/25,pp. 4-5.
 
ولقد كان مشروع قناة جونجلى من أهم مشروعات استنقاذ مياه النيل من الضياع فى مناطق المستنقعات غير أن اندلاع الحرب الأهلية فى جنوب السودان حال دون استكمال المشروع.
راجع حول أهمية قناة جونجلى والعقبات التى حالت دون استمرار العمل بها، جون بولوك وعادل درويش، حروب المياه: الصراعات القادمة فى الشرق الأوسط، سلسلة كتب مترجمة(821)، الهيئة العامة للاستعلامات، القاهرة، 1995، ص 67-74، وكذلك، جورج تومبى لاكو، مشروع قناة جونجلى كعامل اقتصادى- اجتماعى فى الحرب الأهلية فى السودان، فى: مايكل دراكوه ( محرر)، الأنهار الأفريقية وأزمة الجفاف، ترجمة د. أحمد سيف النصر وآخرين، مركز البحوث العربية، القاهرة، د. ت.، ص 75-91.
 23-راجع فى هذا المعنى، مروان بدر، الأبعاد السياسية لمشروعات التعاون المائى بين دول حوض النيل، فى: مجموعة من الخبراء والباحثين، مشروعات التعاون المائى بين مصر ودول حوض النيل، مرجع سابق، ص 17-18.
 24- Hosni, op. cit, pp. 85-88.
25- أ.د. عبدالملك عودة، السياسة المصرية ومياه النيل فى القرن العشرين، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 1999، ص 35-36، د. ضياء الدين القوصى، الاستخدام الأمثل لمياه حوض النيل، السياسة الدولية، العدد 158، أكتوبر2004، ص 91.
26- أ.د. صلاح الدين عامر، نهر النيل: النظام القانونى الذى يحكم الانتفاع بمياهه، فى: د. صلاح الدين عامر وآخرين، مرجع سابق، ص 139-140.
 27- انظر فى هذا المعنى، مروان بدر، مرجع سابق، ص 19.
 28- د.عبدالملك عودة، السياسة المصرية ومياه النيل، مرجع سابق، ص58-59، وكذلك: Yacob, op. cit, pp. 4-4.
29- راجع فى هذا الصدد، د. منصور العادلى، موارد المياه، مرجع سابق، ص 387-388، وكذلك: El-Kodari, op. cit, p. 7.
30- مروان بدر، مرجع سابق، ص 20-21.
 31-عدنان موسى النقيب، تغير السيادة الإقليمية وآثارها فى القانون الدولى، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراة، كلية الحقوق، جامعة عين شمس، 1989، ص 118 وما بعدها.
 ولمزيد من التفاصيل كذلك راجع، أشرف عرفات، النظرية العامة للتوارث الدولى مع دراسة تطبيقية للتطورات المعاصرة فى الاتحاد السوفيتى والاتحاد اليوغسلافى السابقين، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراة، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، 2000، ص 162 وما بعدها.
 32- د. ممدوح شوقى، التوارث الدولى فى المعاهدات الدولية: دراسة قانونية لاتفاقيات نهر النيل، المجلة المصرية للقانون الدولى، المجلد الخامس والأربعون، 1989، ص 190-191.
 وتجدر الإشارة فى هذا الصدد إلى أن الفقه الدولى يميز فى مجال المعاهدات بين ما يطلق عليه " المعاهدات الشخصية"، وما يطلق عليه" المعاهدات العينية". وينصرف مصطلح المعاهدات الشخصية إلى المعاهدات التى يكون لشخصية أطرافها الإعتبار الأول فى إبرامها، بحيث تكون هذه الشخصية عنصراً جوهرياً فى كيان المعاهدة واستمرار العمل بها، ومن ذلك على سبيل المثال معاهدات التحالف والصداقة والتمثيل المتبادل. أما المعاهدات العينية فإنها تنصرف إلى تلك المعاهدات التى تنظم مسائل إقليمية كمعاهدات الحدود واستخدام الأنهار والبحيرات المشتركة والممرات البحرية والخطوط الجوية. ولقد اتجه الرأى الغالب فى الفقه الدولى إلى تأثر المعاهدات الشخصية بحالة الاستخدام الدولى، بحيث ينقض أثر المعاهدات الشخصية التى تبرمها الدولة السلف فى حق الدولة الخلف إلا إذا قبلت بها الأخيرة. أما المعاهدات العينية فقد استقر العمل الدولى على عدم تأثرها بالتغيرات الإقليمية التى تحدث انتقالاً للسيادة حيث يمتد حكمها إلى الدولة الخلف.
 
33- انظر فى هذا المعنى، أ. د. إبراهيم العنانى، إثيوبيا ومدى الالتزام باتفاقيات الانتفاع بمياه النيل، السياسة الدولية، العدد 129، يوليو 1997، ص 57.
 34- د. إبراهيم العنانى ، إثيوبيا، مرجع سابق، ص 57-58.
 35- راجع فى هذا المعنى، د. عزيزة مراد فهمى، الأنهار الدولية والوضع القانونى الدولى لنهر النيل، المجلة المصرية للقانون الدولى، المجلد السابع والثلاثون، 1981، ص 151-152.
 36- راجع لمزيد من التفاصيل، أشرف عرفات، مرجع سابق، ص 236-242.
 37- راجع حول مواقف دول حوض النيل من مسألة الخلافة فى المعاهدات الخاصة بنهر النيل، د. ممدوح شوقى، مرجع سابق، ص 197-202.
 38- د.إبراهيم العنانى، إثيوبيا، مرجع سابق، ص 58.
39- د. ممدوح شوقى، مرجع سابق،ص 205.
 40- راجع فى هذا الصدد، Godana, op. cit, pp. 35-36.
وكذلك، د. محمود أبوزيد، مرجع سابق، ص 138، ولمزيد من التفاصيل فى هذا الصدد انظر، أيمن السيد عبد الوهاب، مياه النيل فى السياسة المصرية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2004، ص99-107.
41- راجع فى هذا المعنى، د. أحمد موسى، على هامش مركز مصر فى مسألة مياه النيل، المجلة المصرية للقانون الدولى، المجلد الرابع عشر، 1958، ص48-49.
 42- د. منصور العادلى، موارد المياه، مرجع سابق، ص 424.
 43- راجع، د. صلاح الدين عامر، نهر النيل: النظام القانونى الذى يحكم الانتفاع بمياهه، مرجع سابق، ص 143-145.
 44- نقلاً عن د. صلاح الدين عامر، نهر النيل ، مرجع سابق، ص 145-146.
 45- راجع فى هذا المعنى ولمزيد من التفاصيل، مروان بدر، مرجع سابق، ص15-19، وكذلك، أيمن عبدالوهاب، مرجع سابق، ص 28 وما بعدها.
 46- د. محمود أبوزيد، مبادرة حوض النيل وصور التعاون الحالى مع دول الحوض وآفاق المستقبل، فى: مجموعة من الخبراء والباحثين، مشروعات التعاون المائى، مرجع سابق، ص 7.
 47- راجع، د. جلال معوض، مرجع سابق، ص 3-4.
 48- د. ضياء الدين القوصى، مرجع سابق، ص 92.
 49- مروان بدر، مرجع سابق، ص 22-23.
 50- هناك تفسيرات عدة للتغير الذى طرأ على الموقف الإثيوبي، بقبول الانضمام إلى مبادرة حوض النيل، منها التداعيات الإقليمية خاصة النزاع الإثيوبى الإريترى، الذى كان مشتعلاً آنذاك، والحرب الأهلية فى الصومال، وضغوط الدول المانحة ومؤسسات التمويل الدولية، وانعكاس علاقتها مع مصر بالدول العربية الأخرى، والأوضاع الداخلية فى إثيوبيا. غير أن أهم أسباب هذا التغير إنما تكمن – فى نظر الكثيرين – فى تغير لغة الخطاب المصرى، والجهود التى بذلتها مصر خلال السنوات السابقة على انطلاق المبادرة لتبديد شكوك دول حوض النيل بصفة عامة وإثيوبيا بصفة خاصة فى حقيقة النوايا المصرية والتأكيد على إمكانية التوصل لترتيبات منصفة تستفيد منها دول الحوض دون إلحاق ضرر بأى منها. انظر :
 مروان بدر، مرجع سابق، ص 24.
51- راجع لمزيد من التفاصيل حول مبادرة حوض النيل،Lemmer, Seifeselassie, Cooperating on the Nile: note a zero-sum game, U. N. Chronicle on line http://www.un.org/puls/chronicle/2001/03p65.html,pp1-7Edition
El-Khodari, op. cit, pp.13-16, Ferdinand, op. cit, pp. 2-3.
52- أ. د. صلاح الدين عامر، نهر النيل....، مرجع سابق، ص 156-158، وكذلك، د. ضياء الدين القوصى، مرجع سابق، ص 92-93
 
 
 

تصغير الخط تكبير الخط  
 
 
ادخل ايميلك ليصلك جديدنا