الحادثة التي لوثت العالم :

 

في يونيو 1991 نشر خطاب رسمي صادر عن زعماء حكومات ثلاث جمهوريات من جمهوريات الاتحاد السوفيتي (سابقا) هي روسيا واوكرانيا Ukraine  وبيلوروسيا Byelorussia  وهذا الخطاب موجه بشكل مباشر حسب ما هو مكتوب فيه ، إلى جميع حكومات وشعوب العالم. لقد جاء هذا الخطاب بعد مضي اكثر من خمس سنوات على وقوع أخطر كارثة بيئية شهدها التاريخ البشري حتى الان ، وهي حادثة انفجار اكبر واقدم مفاعل نووي لتوليد الطاقة الكهربائية في الاتحاد السوفيتي ، الواقع في قرية تشرنوبيل Chernobyl  على بعد نحو 130 كيلومترا شمال ثالث اكبر مدينة في الاتحاد السوفيتي والتي تسمى بمدينة كييف Kiev ، عاصمة جمهورية أوكرانيا .

 

لقد لمس كل من قرأ الخطاب التماس وتوسل حكومات جمهوريات الاتحاد السوفيتي إلى دول العالم اجمع لدعمها، ومد يد المساعدة اليها، والتعاون معها في مجابهة الآثار الضخمة التي خلفتها هذه الكارثة، والتي مازالت تعاني منها حتى بعد مضى سنين كثيرة على وقوع الحادثة، كان الخطاب بمثابة اعتراف مر وقاس من قادة الاتحاد السوفيتي بأن هذه الكارثة قد خرجت من هيمنتهم ولا يستطيعون السيطرة عليها، أو مواجهتها بأنفسهم.

حيث كان المسؤولون يحاولون لأكثر من خمس سنوات إقناع العالم بأن هذه الحادثة بسيطة وعابرة، ولا تشكل خطورة على شعوب العالم، ولذلك يمكن تجاهلها وغض النظر عنها، واعتبارها حادثة  محلية محدودة الأبعاد، وبقيت حكومة الاتحاد السوفيتي طوال هذه الفترة وهي تتبنى هذه السياسة، وتلتزم الصمت والسكوت، حتى أنها اخفت الكثير من الحقائق والمعلومات المتعلقة بهذه الحادثة، ولم تبد رغبة صريحة في كشف الحقائق، وإظهار الأسرار إلى المجتمع الدولي.

 

والجدير بالذكر أن الحادثة نفسها لم تعلن عنها السلطات الرسمية السوفيتية إلا بعد أن اكتشفت أجهزة مراقبة الإشعاع الآلية في السويد وجود نسبة مرتفعة من الإشعاع في مدينة فورس مارك Forsmark  عندما صاحت أجراس الإنذار في المحطة النووية لتوليد الطاقة في مدينة فورس مارك الواقعة شمالي ستوكهولم بالسويد، صباح يوم الاثنين 28 إبريل 1986 أي بعد يومين من الحادثة معلنة ازدياد درجة الإشعاع في المنطقة عن الأيام السابقة وتبين بعد التحقيق والبحث أن الإشعاع قادم من جنوب شرقي المنطقة حيث جمهورية أوكرانيا وعندها طلبت الحكومة السويدية من سفيرها في موسكو الاتصال رسميا بالسلطات السوفيتية للتعرف على مصدر الإشعاع.

 

في بداية الأمر لم تستجب موسكو لطلب السفير إلا بعد اتصالات متعددة وملحة أجبرت موسكو إلى نقل خبر الحادثة من خلال نشرة أخبار الساعة التاسعة مساء من يوم الاثنين 28 إبريل 1986 .لقد كشف خطاب الزعماء السوفيت عن حجم الكارثة واتساع دائرة تأثيراتها السلبية واظهر بأن كارثة تشرنوبيل قد ولجت قضايا جديدة ومعقدة في مجال الطب والاقتصاد والبيئة والتقنية والمجال الأخلاقي والاجتماعي والنفسي وان هذه القضايا لها تأثيرات سلبية مباشرة على التنمية البشرية كما أكد الخطاب أن المواطن السوفيتي قد عانى بشدة من التسربات الإشعاعية الناجمة من انفجار المفاعل النووي وانعكس ذلك مباشرة على صحته وصحة بيئته وكلف نحو 25 بليون روبل وبين الخطاب أيضا أن آثار هذه الكارثة تعدت الحدود الجغرافية للاتحاد السوفيتي وشملت معظم الكرة الأرضية وبخاصة الجزء الشمالي منها ولذلك يناشد الخطاب جميع دول العالم إلى العمل الجماعي المشترك لمواجهة هذه الكارثة التاريخية والتعلم من دروسها فالإشعاعات تخللت عروق جسم بيئة الكرة الأرضية وهي تجري فيها الان كجريان الدم في جسم الإنسان .وربما من المفيد هنا أن نرجع قليلا إلى كيفية وقوع هذه الحادثة والتطورات الزمنية التي جرت عليها حتى الان وسبل انتشارها في جسم الكرة الأرضية جمعاء.

 

وقعت الواقعة في الساعة الواحدة والدقيقة 23والثانية 40 من صباح يوم السبت 26 إبريل 1986 في مفاعل تشرنوبيل الذي ينتج 1000 ميجاوات من الطاقة الكهربائية بسبب أخطاء ارتكبها عاملوا المفاعل عند محاولتهم لإجراء تجربة على التوربين رقم 8 بالوحدة الرابعة وهذا الخطأ أدى إلى وقوع انفجارين نحم عنهما حريق في المفاعل وانطلاق المواد المشعة إلى الهواء الجوي واستمر انطلاق الإشعاعات حتى 5 مايو أي لمدة عشرة أيام حتى انه كونت في الأيام الأولى من الحادثة سحبا من الملوثات الإشعاعية فوق المنطقة بلغ ارتفاعها كيلو مترين في السماء.واثناء انبعاث المواد المشعة كانت الظروف المناخية متقلبة وبخاصة اتجاه الرياح مما جعل الملوثات تنتشر إلى مناطق شاسعة وتغطي مساحات كبيرة من الكرة الأرضية ويتعرض لها بشكل مباشر أعداد ضخمة من البشر بلغت اكثر من 4 مليون نسمة كما أثرت الأحوال الجوية غير المستقرة على علمية تقييم وتحديد انتشار الملوثات الإشعاعية حتى أصبحت مشكلة في غاية الصعوبة والتعقيد .فقد كانت الرياح يوم الانفجار في منطقة تشرنوبيل شرقية إلى جنوبية شرقية سرعتها بين 12-14 مترا في الثانية وهذه الرياح نقلت السحب المشعة إلى السويد في 27 أبريل ثم إلى اسكندنافيا في 28 إبريل ثم بعد ذلك تغير اتجاه الرياح إلى شمالية مما أدى إلى انتشار الإشعاعات إلى دول أخرى.وتؤكد الأبحاث العلمية أن المواد المشعة وصلت إلى جنوب ألمانيا وإيطاليا ويوغسلافيا في الفترة من 28 إبريل إلى 2 مايو ورومانيا وبلغاريا في الفترة من 1 إلى 4 مايو والبحر الأسود وتركيا من 2 إلى 7 مايو وشمال العراق في 5 مايو والكويت في 5 مايو أيضا وولايات نيفادا ويوتاه وكاليفورنيا الأميركية من 6 إلى 13 مايو 1986 .وهذا يشير إلى أن العالم بشكل عام قد تأثر بدرجات متفاوتة من الملوثات الإشعاعية بدءا بالسويد في الشمال وغربا إلى أواسط أوروبا وجنوبا إلى الشرق الأوسط وشرقا داخل الاتحاد السوفيتي نفسه، وقد قدرت كمية الإشعاعات التي انطلقت خلال الأيام العشرة بنحو 50 مليون كيوري من النظائر المشعة وبلغ وزنها الكلي نحو 77 كيلوجراما وهذه النظائر المشعة التي أصبحت جزءا من جسم البيئة الان تختلف في درجة ونوع تأثيرها على الإنسان وبيئته والكائنات الحية الأخرى لأنها تختلف في خواصها البيولوجية والفيزيائية الكيميائية فعلى سبيل المثال :

  1. Iodine-131عنصر الايودين  الذي يصل نصف عمره إلى ثمانية أيام فقط ويؤثر على أعضاء معينة من جسم الإنسان وبالذات الغدة الدرقية.

  2.  Caesium-137 عنصر السيزيم الذي يصل نصف عمره إلى 30 سنة أي انه سيبقى معنا وفي بيتنا فترة طويلة من الزمن وهو يطلق ملوثاته المشعة إلينا.

  3.  Strontium – 90 عنصر السترونتيم الذي يتميز بسرعة ذوبانه في الماء مما يجعله سهل الامتصاص من قبل النبات وبالتالي اشد ضرارا وفتكا به كذلك فإن هذا العنصر يكون روابط ضعيفة مع جزيئات التربة وبذلك فهو سهل وسريع التنقل في التربة.

كما أن هناك نظائر مشعة مثل :البلوتونيم Plutonium  والكربتون Krypton – 85  والزينون Xenon-133  والتي انطلقت أيضا في البيئة ويجهل الإنسان الكثير من صفاتها وتأثيراتها عليه وعلى وبيئته وحتى الان لم يستطع العلماء التنبؤ بأضرارها المستقبلية.أما بالنسبة لانعكاسات الكارثة المباشرة على الإنسان وبيئته فهي لا تخفى على أي إنسان بل لا يمكن إخفاؤها لأنها كانت وضاحة وملموسة ومؤثرة على نسبة كبيرة جدا من الناس فالانفجار أدى إلى مقتل 30 شخصا بشكل مباشر وإدخال نحو 300 شخص إلى المستشفى لتعرضهم لجرعات كبيرة من الإشعاع كما تم تقدير عدد الموتى في السنوات التي لحقت الكارثة بنحو 7000 إلى 10 آلاف شخص.وأدى الانفجار إلى إجلاء اكثر من 135 ألف نسمة من مساكنهم ومدنهم حتى أن مدنا بأكملها اختفت من الخريطة الجغرافية وكأنها لم تكن من قبل شيئا وفي خلال الثلاث سنوات التي لحقت الحادثة تقرر إجلاء سكان 85 قرية في جمهورية بيلوروسيا و14 في أوكرانيا و31 قرية في روسيا وقد قدرت تكاليف عملية إجلاء المواطنين وتسكينهم وتغذيتهم بنحو 400 مليار دولار. وبعد الانفجار حددت منطقة قطرها 30 كيلومترا حول المحطة وتحولت إلى منطقة محظورة يمنع دخول غير المرخص لهم بها وتمت إزالة التربة في مواقع محددة من هذه المنطقة وغسلت ثم وضعت طبقة من الإسفلت فوقها لمنع تسرب الإشعاعات إلى الهواء.أما الأراضي الزراعية فقد فقدت صلاحيتها وقدرت الأراضي التي أصبحت غير صالحة للاستعمال بنحو 140 ألف هكتار كما أن اكثر 492 ألف هكتار من أراضي الغابات تلوثت وبعضها قطعت أشجارها وحرقت خوفا من انتقال الإشعاعات وتعرض الكائنات الحية لها كما تم حظر استهلاك الأسماك من بعض الأنهار والبحيرات في المنطقة الملوثة بالإشعاع.أما خارج الاتحاد السوفيتي فقد كانت الأضرار واضحة ومتمثلة في ارتفاع نسبة الإشعاع في جميع عناصر ومكونات البيئة ففي الحليب في السويد على سبيل المثال وصل إلى اكثر من 1000 بيكريل لكل لتر وفي اسكتلندا في مدينتي مدمفريز Dumfries  وجالوي Galloway  تبين أن اكثر من 25% من الحيوانات زادت فيها نسبة الإشعاع عن الحد المسموح به مما جعلها غير صالحة للاستهلاك وفي ألمانيا تلوثت الخضراوات حتى وصلت نسبة الإشعاع فيها إلى 10 الآف بيكريل لكل كيلوجرام وهكذا كان الحال في معظم الدول الأوروبية ونحن في الخليج أيضا تأثرنا بشكل مباشر بسبب ازدياد درجة المواد المشعة في الهواء الجوي عن الأيام العادية .وبعد سنوات من الحادثة بدأت قضايا صحية جديدة تظهر على الإنسان وبخاصة من يسكنون في المناطق الملوثة بالإشعاع ففي إبريل 1990 أكد أحد الأطباء في مقاطعة ناروديش Narodichi  في جمهورية أوكرانيا التي تبعد 60 كيلومترا من المفاعل ارتفاع عدد المصابين بأمراض الغدة الدرقية وفقر الدم والسرطان كما لوحظ ولادة بعض الحيوانات المشوهة كما طال هذا التشوه البشر حيث ولد أطفال مشوهين في العديد من المدن التي أصابها الإشعاع.كما أن لهذه الحادثة تأثيرات نفسية كبيرة وحادة على المجتمع حيث سببت العديد من المشاكل النفسية غير أنها عززت من التعاون الدولي في مواجهة الكوارث وتبادل ونشر المعلومات بصورة صحيحة وصادقة حيث أن خمسين دولة قامت فورا بعد الحادثة في 26 سبتمبر 1986 بالتوقيع على اتفاقيتين للتعاون الدولي في مجال الكوارث النووية وبالرغم من هذه الاتفاقية وما تلاها من اتفاقيات فإن الخطر لا يزال قائما ولا يزال شبح الكوارث النووية يسكن بيننا فهل سيأتي اليوم الذي نطرد فيه هذا الشبح.