|
مشكلة بيئية أخرى
بقلم:
نديم نحاس
الكاتب الصحفي في جريدة الشرق الأوسط
المشكلة
البيئية الأخرى التي يواجهها العالم اليوم، الى جانب ندرة المياه هي
التصحر الذي أخذ يلقي بظلاله المأسوية في كل مكان تقريبا، لكن اكثر
المناطق معاناة هي افريقيا وبعض اجزاء آسيا. فتمدد الصحراء هناك أخذ يدق
أبواب بعض العواصم والمدن الكبرى، مما اثار موجة من الهجرات والنزوح بين
السكان المحليين شبيهة بهجرة ندرة المياه التي تحدثنا عنها
سابقا.
المشكلة تنبع من التفجر السكاني ايضا الذي له أثر مضاعف، فمن جهة ينبغي
العثور على مصادر غذائية اضافية لاطعام هذه الأفواه الجائعة القديمة
والجديدة، ومن جهة أخرى تأمين ما هو متوفر منها حاليا والمحافظة عليه
بعدما أخذت تقل في وجه الامتداد الصحراوي الذي أخذ يستولي على ما تبقى من
الاراضي الزراعية في زحف ثابت ومنظم.
الصومال أفضل مثال على ذلك، حيث يعاني اليوم من اقتصاد مدمر ومجاعات
صيفية تتكرر سنويا حتى دفعت العديد من سكانه الى ركوب القوارب الصغيرة
والتسلل بحرا الى اقطار اوروبية لكي يصلوا هناك جثثا هامدة، إما غرقا أو
جوعا، أو عطشا، كما حصل في أواسط اكتوبر الماضي عندما اكتشف خفر السواحل
الايطاليين قاربا على مقربة من اليابسة تقاذفته أمواج البحر مدة اسبوعين
بعد نفاد الطعام والماء والوقود منه، مما أدى الى وفاة معظم ركابه، أما
ما تبقى على قيد الحياة منهم فلم يكونوا يملكون القوة اللازمة حتى لدفع
الجثث والقائها من جانب القارب في البحر. وليست ايطاليا هي الوحيدة التي
يلجأ اليها النازحون، بل هناك اسبانيا وفرنسا اللتان تتعرضان الى مثل هذه
الموجات ايضا.
ويبدو ان ظاهرة التصحر ونزوح الناس ليست جديدة رغم تزايد الوتيرة حاليا
بسبب الجفاف والتسخين الحراري للأرض. فالبداية كانت في الثلاثينات عندما
نزح ثلاثة ملايين اميركي من السهول الجنوبية الى كاليفورنيا التي كانت
آنذاك واحة خضراء من شمالها الى جنوبها بعدما داهمهم الجفاف والعواصف
الغبارية.
في الصين كمثل آسيوي، فإن صحراء غوبي أخذت تمتد وتتسع بمعدل 10400
كيلومتر مربع في السنة الواحدة مما يرغم عشرات الملايين كل مرة على
النزوح الى مناطق أخرى يزداد الضغط السكاني عليها. ولعل أفضل وصف لهذه
المأساة هو صورة ظهرت في كتاب الشاهد الصحراوي من تأليف المصور الصيني لو
تونجينغ الذي يصف عملية التصحر بالكلمة والصورة اللتين تظهران قرية عادية
بمبانيها وطرقاتها في اقصى أواسط منغوليا، لكن باستثناء وحيد لم يظهر في
المشهد، وهو ان القرية خالية من سكانها تماما، فقد ارغموا كلهم على
النزوح بتعدادهم البالغ اربعة آلاف نسمة لكون الصحراء ادركتهم بسبب
الجفاف الذي حل عليهم.
كذلك الحال في ايران، حيث تخلى سكان قرى بحالها عنها بسبب زحف الصحراء.
ففي جوار بلدة دامافاند الصغيرة التي تبعد مسيرة ساعة بالسيارة عن
العاصمة طهران، هناك 88 قرية تحولت الى مدن اشباح.
لنعد مرة أخرى
الى افريقيا، الى نيجيريا بالذات، حيث تتحول مساحة 3500 كيلومتر مربع من
الاراضي سنويا الى صحراء، وهذا يعني ان البلاد على سعتها ستصبح في يوم
قريب جرداء، قاحلة من الحيوان ايضا.
ما الحل?
الخبراء،
تحت مظلة الأمم المتحدة محتارون ولا يدرون ماذا يفعلون. إذ ان مشكلة
التصحر هي مشكلة بيئية مزمنة شأنها شأن التلوث وندرة المياه وانقراض
فصائل الحيوان والنبات والتفجر السكاني، وتقلص الموارد، والاحتباس
الحراري الذي يلقى باللوم عليه في كل الأمور. وليس هناك ما يلوح في الأفق
قريبا لحل هذه الكوارث جميعها.
بعض الخبراء الزراعيين اقترح تقنيات زراعية جديدة مثل البيوت الزجاجية
المكيفة الحرارة التي يمكنها ان تجمع الفصول الاربعة معا، والتي تطعم
حاليا نصف سكان اوروبا لكي تعوض النقص الحاصل في الاراضي الزراعية، في
حين ذهب بعضهم الى ابعد من ذلك لتطوير هذه البيوت لكي تستخدم تقنيات الري
الجديدة بالتنقيط المائي لترشيد استخدام المياه الثمينة، في حين طالب
البعض بحلول اكثر جذرية، واعتماد مبدأ الري الكيماوي الذي يستغني عن
التربة تماما، أي ان تقوم أنابيب تحتوي على سوائل لتغذية جذور النباتات
المزروعة عليها والتي ستمد الإنسان بالغذاء يوم يستعمر القمر والكواكب
الأخرى. لكن كل هذه الحلول المقترحة ما زالت قيد التطوير، أي سابقة
لأوانها لانها في مرحلة الطفولة وربما تحتاج الى سنوات عديدة.. عديدة لكي
تنضج، وحتى ذلك الوقت نقرئكم السلام الذي لا حل غيره بعد. |