تعرية الشاطئ اللبناني من الرمال - مشكلة بيئية تعود إلى الواجهة

بقلم : سهير م. القرحاني – لبنان 

عضو جماعة الخط الأخضر البيئية الكويتية

وجمعية الأرز للعناية

 

مشكلة بيئية جديدة تطالع الشعب اللبناني كل حين، وخاصة فيما يتعلق بالشاطئ. فإذا بالبناء يدمّر موائل الحياة الطبيعية ليحل محلها، فتستبدل المسطحات المائية التي تميز بها الشاطئ اللبناني عالمياً، والصخور المنحوتة بيد الطبيعة الخلابة، والرمال والأجراف المحاذية لمياه البحر،  بالمسابح والمقاهي والأبنية والمرافئ وجبال النفايات ومجاري الصرف الصحي والمعامل المتنوعة التي تلوث من أقصى درجات الخطورة إلى أدناها. وإحدى أخطر المشاكل التي تهدد الشاطئ اللبناني الآن، والتي تتوارى ثم تعود إلى الواجهة مرة بعد مرة، هي مشكلة شفط الرمال،  حيث يحاول البعض تعرية هذا الشاطئ مما تبقى من رماله، فهل القصد من وراء ذلك تجميله؟ ومن قال أن الشاطئ بلا رماله أجمل؟ وأين الشاطئ من دون مقوماته آنذاك؟ أم تلك يد السلب تمتد لتقضي على ما تبقى منه، حتى لا يسلم منه شيئا؟

 

شفط الرمال في الواجهة من جديد

تحت غطاء ... ما

إذن، ها هي مشكلة خطيرة تطل إلى الواجهة من جديد، تعيث في الشاطئ اللبناني تخريباً وتستبيح الحق في شفط رماله من دون أدنى حق، وتهتك عرضه وطوله، لتقضي عليه. وقد جرت العادة على أن تستباح رمال الشاطئ في لبنان كما يلي:

  1. يبدأ المرء بأخذ رخصة تنظيف الرمال المتراكمة بالقرب من معمله المترامي على الشاطئ، فتتحول لاحقاً إلى رفع كميات هائلة للبيع، والرقيب هنا، رخصة لهدف آخر.

  2. رخصة لتنظيف مصب نهر ما، تتحول لاحقاً إلى جرف الرمال وبيعها.

  3. رخصة لترتيب الرمال لمسبح أو منتجع سياحي، تتحول لاحقاً إلى بيعها تحت غطاء ما.

وهناك الكثير من القصص التي لا يتسع لها سوى صدر الشاطئ اللبناني الذي لم يعد برحابة الماضي، بعد أن صغر وضاقت به السبل لإيقاف الاعتداءات المتزايدة والمتكررة عليه. والآن وبعد أن أوقفت بلدية الجية العملية السابقة لشفط الرمال من أمام معمل الجية الكهربائي، من نحو أربع سنوات، تعود القصة لسالف عهدها، فيتنادى الأهالي والبلدية لوقفها، إلا أن الحجة الآن أقوى بعد أن منحت الدولة رخصة ببيع الرمال للشركة التابعة لمؤسسة كهرباء لبنان والتي تنظف مسارب المياه في معمل الجية بغية تحصيل أتعابها البالغة نحو 400 مليون ليرة لبنانية.

 

لكن الوضع رغم رداءته، والرقابة شبه المعدومة، وعدم كفاءة القيمين على كيفية البناء على الشاطئ من ناحية البيئة البحرية، تبقى عيون البيئيين مفتوحة لتدارك المشاكل ولو بعد حين، فترتفع أصواتهم لتغيير الموقف قبل تأزمه واللاعودة، وتمتد سواعدهم الخضراء للمباشرة بالعمل لردع المخالفات والاعتداءات أينما كانت، وعليه، تقوم نحو سبعة عشر جمعية بيئية بممارسة حقهم الشرعي لإيقاف عملية شفط الرمال، في موقع معمل الجية الكهربائي بعد أن علموا بما يحصل رغم محاولات التغطية. وقد قامت الجمعيات البيئية بتصوير وتوثيق عملية التخريب، وتحديد كمية الرمال المرفوعة والمخاطر المتأتية عنها. 

 

وبناء لما تقدم، تم إرسال بيان بالمخالفة ومخاطرها إلى وزارة النقل البري والبحري ووزارتي البيئة والطاقة لإعلامهم وللاستفادة من مواقفهم في الإسراع بإنهاء هذا العمل التخريبي.

 

لله في خلقه فوائد

ما خلق الله سبحانه شيئاً إلا وله من الفوائد ما لا يحصى ولا يعد، ومنها أهمية الرمال التي تغطي غالبية الشواطئ في العالم. من فوائد الرمال وخطورة شفطها:

- إن تراكم الرمال على الشاطئ يجعل منها أداة لتحّمل الضغط الناتج عن قوة الأمواج في فصل الشتاء، فتحمي المدن القريبة من الاهتزازت عند كل موجة عاتية، ومن تشقق المباني القريبة نتيجة الضغط الهائل الذي تسببه.

- تقوم الرمال بحماية الصخور من التعرية كي لا يصل البحر إلى المباني بعد فترة من الزمن.

- إن الرمال جزء أساسي من البيئة البحرية لكافة أنواع الحياة فيها، من أسماك وحيوانات وأعشاب ومجهريات، ولن تستمر حياة أي منها دون مسكن أو مخبئ أو مصدر غذاء. لذلك، تعتبر الرمال مصدر استمرار لهذه المخلوقات، ومع شفطها وتغيير نمط الحياة فيها، يخسر الشاطئ اللبناني العديد من أنواع المخلوقات البحرية التي يتميز بها، كما تتغير البيئة المحيطة وتضعف، وبالتالي يخسر لبنان موئلاً هاماً للحياة البحرية، ومصدراً للثروة السمكية على الشاطئ، والتي يستفيد منها الصيادين في المواسم المتعذر فيها خوض البحر. ومثل هذه الخسارة تعتبر فادحة لنا، لكثرة العائلات التي تعتاش على مكاسب الصيد، في المدن الساحلية المتاخمة للشاطئ. 

- وخطورة شفط الرمال على السياحية البحرية في لبنان لا تقل أهمية عن سابقاتها، فالشاطئ يعتبر من أهم موارد السياحة الوطنية، حيث يؤمه السيّاح من الدول العربية ودول الاغتراب من أقطار العالم للاستمتاع بالسباحة والاستجمام على رماله الذهبية على مدار خمسة أشهر تمتد من أواخر فصل الربيع  حتى أوائل الخريف، فتجمع بذلك ثلاثة فصول لهواية واحدة. وتأتي هنا خطورة إخلاء الرمال عن الشاطئ على السابحين والحياة البحرية في آن أقوى وأشد، فعندها  سيتغير مسار التيارات التي اعتادتها الحياة البحرية في هذه المنطقة للتزاوج والتوالد واكتساب الغذاء، فتقفر. كما تخلق منخفضات تحت المياه تودي بحياة العديدين كل عام، نتيجة عدم معرفة العامة من الناس بالأمر. والعديد من المشاكل الأخرى.

 

لماذا تشفط رمال الشاطئ

يهدف شفط الرمال لبيعها بسعر مرتفع لجودتها في البناء، مع العلم أن الدولة اللبنانية وضعت قانوناً تمنع فيه ذلك، إلا أن الطريقة المتبعة للنهب والتخريب لها أسلوب التمويه كما ذكرنا سابقاً. والأموال من هذه العملية تعد مبالغ طائلة، وهي في النهاية ثروة مكتسبة من لا شيء. أما خطورة استعمال رمال البحر للبناء فتكمن في كمية الملح التي تؤخذ معه، وتلامس الحديد الذي يتعرض للاهتراء بعد مدة، وهل حاول أحدكم غسل رماله يوماً من الملح قبل استعمالها؟

 

يعتبر الباحثون أن استعمال رمال البحر للغطاء الخارجي في البناء لا يتسبب بأي أذى له، إلا أن المخاطر تترتب بذلك على البيئة البحرية، فيحدث من جرائها ما لا يحمد عقباه، والبيّنة مما سلف، أن تتوقف هذه العملية نهائياً. أما حل المشاكل للمعامل الكهربائية أو غيرها تتمثل بتبديل مكان الرمال ووضعها بمكان آخر من الشاطئ بحاجة لها، وبذلك تنتهي مشكلة السرقة وتعريض الحق العام والبيئة البحرية وأرواح البشر لأنواع المخاطر والحوادث والإقفار والموت المحتم، لأسباب همجية وأنانية بالوقت عينه، وللبيئة طريقة أنعم الله بها عليها في استعادة حياتها الطبيعية بعد توقف يد البطش عنها، ولمدة قصيرة، فتعود إلى سابق عهدها، والأهم أن لا نستعيد هذه الكارثة فعلياً مرة جديدة، وأن تصبح من الذكريات إلى الأبد.

 

التاريخ: مارس 2005