|
هنداوى عبد الرازق هنداوى
بقلم : هدى كامل
عضو جماعة الخط الأخضر البيئية الكويتية
جمهورية مصر العربية
استكمالا لتغطية أوضاع غابة الدكتورة فيفى تكهولم بالواحات البحرية في
جمهورية مصر العربية ،
نتحدث في هذه مقالة عن جندى بيئى أردنا اعطائه حقه
المعنوى بعد أن قضى ما يقرب من ثلاث عقود فى رعاية الغابة وأيضا فى
محاولة الذود عنها ضد المحاولات المتتالية لبعض القيادات غير بموقع
المناجم والتى لم تعرف قيمة أن تكون هناك بقعة خضراء فى وسط هذه الصحراء
القاحلة ، حتى وصل الاهمال حده بمحاولة الانتفاع بالغابة ، لا بتنميتها ،
بل ببيع اشجارها . هذا المقال تحية ل"عم هنداوى
"
خلف
الانجازات الكبيرة تقف دائما جهود صغيرة متراكمة ، يقوم بها
أفراد مخلصون لا يعرفهم أحد ، ولا يسعون الى أن يعرفهم أحد ، و يرون فى
الانجاز العام انجازا شخصيا يتحققون من خلاله ، هؤلاء هم من تعودنا أن
ندعوهم بالجنود المجهولين .
غابة
الدكتورة فيفى تكهولم بالواحات البحرية لم تكن مشروعا قوميا ، لكنها كانت
حلما أخضر بدأته جهود مصرية مفردة من العاملين بشركة الحديد والصلب ، حلم
هؤلاء العاملون بتحويل صفرة الصحراء الى خضرة وارفة ، و جاءت الدكتورة
فيفى لتحلم هى الأخرى بأن تدفع ذلك الحلم و تلك المساحة الخضراء للاتساع
، فكانت جهودها التى أبانت بعد وفاتها عن تخصيص منحة من الهيئة الطبية
السويدية لانشاء الغابة التى حملت اسمها بالواحات البحرية .
وهنداوى عبد الرازق هنداوى ، أو " عم هنداوى " كما يناديه الجميع
بمستعمرة "المناجم " ، مهندس زراعى قدم فى شبابه الى الواحات البحرية من
دلتا مصر ، عبر طريقها غير المسفلت فى نهاية الستينات ، جاءها واحدا من
الفريق التابع لوزارة الزراعة بهيئة تعمير الصحارى الذى كان منوطا به
العمل لاستصلاح نطاق الصحراء المتاخم للآراضى الزراعية القديمة بالواحات
ضمن المشروع المصرى الكبير وقتها لزيادة الرقعة الزراعية .
وما
لبث أن انتقل الى الادارة الزراعية بشركة الحديد والصلب بموقع مناجم حديد
" الجديدة " . كان الموقع جديدا بالفعل ، اكتشاف لخام الحديد فى موقع
جديد ، ومستعمرة حديثة لسكنى العاملين بالمناجم و اسرهم . فى ذلك الوقت
، حوالى بداية السبعينات ، بدأ المهندس هنداوى كفاحه فى أكثر من بقعة
بمنطقة المناجم ، شملت المزرعة والمشتل والمستعمرة والطريق الواصل بين
الموقع و طريق القاهرة / الواحات ، متسلحا فى ذلك بخبرة سابقة فى
تخطيط الأراضى الجديدة فى منطقة القصاع بالواحات البحرية ، وفى ادارة
المشاتل فى منطقة وادى النطرون .
لم
يكن الأمر سهلا ، فقد كان المشهد يتكون من منجم الحديد وادارة المناجم ثم
المستعمرة الوليدة للعاملين واسرهم . مجرد أبنية لا يفصلها عن الصحراء
المحيطة فاصل ، بل تكاد تصبح جزءا منها ، تعيش نفس ظروف الصحراء القاسية
بلا حماية أو رادع لرياحها الساخنة المحملة بالرمال . ثم تغير المشهد
شيئا فشيئا بفضل وعى قيادات الموقع والتى عاونها أفراد محبون صاروا
يشعرون تدريجيا أن المكان ليس مجرد موقع للعمل اذ يضم اسرهم وأولادهم ،
لقد أصبح وطنا عليهم أن يحتموا به و يوفروا له الحماية . من هنا جاءت
فكرة التشجير التى بدأت على استحياء بمجموعة اشجار الكافور والجازورين
التى تصطف على الطريق الموصل الى الادارة ، ثم الشوارع الرئيسية
بالمستعمرة ، ثم المشتل ، فالمزرعة ، تلك التى وصلت آخر مساحة لها 80
فدانا ، كانت فى وقت من الاوقات تمد العاملين بالمناجم باحتياجاتهم من
الخضر والفاكهة ، وأشرف المهندس هنداوى على استصلاحها جزءا جزءا ، ودعم
جهوده و جهود الادارة تلك الروح الخضراء التى حملت الدكتورة فيفى تكهولم
على أن تفكر فى توفير دعم لمشروع التشجير. هذا المشهد الأخضر ظل حيا
نابضا حتى بداية التسعينات تقريبا حين نال القطاع العام المصرى ما ناله
من تدهور ، امتد بطبيعةالحال الى شركة الحديد والصلب ، ومن ثم الى غابة
الدكتورة فيفى تكهولم ، التى وصل تردى أوضاعها مداه و حملنا على كشف هذه
الأوضاع لكل المهتمين والمختصين والمسئولين، أملا فى تصحيح أوضاعها
وانقاذها من هلاك أكيد .
كل
هذا التاريخ ا لطويل الممتد لاكثر من 25 عاما لم يكن ليعرف عنه أحد شيئا
بعد أن تقاعد "عم هنداوى " ، لولا تلك الزيارة التى قمنا بها الى الغابة
الخريف الماضى. تاريخ المهندس هنداوى مع المكان هو تاريخ حياة أشجار
الغابة التى شهدها شتلات وليدة ، وأرضا صفراء يستصلحها شبرا شبرا ، و
خطوطا للرى يرسمها و يرى جريان الماء فيها . وتاريخه هو تاريخ تحول
المستعمرة لشبه الاكتفاء الذاتى من احتياجات سكانها من الخضر والفاكهة
واللحوم البيضاء اذ صارت المزرعة مصدرا أساسيا لامداداتهم .، وصارت مفخرة
الواحات البحرية لدرجة أن تحظى بزيارة للرئيس السادات فى نهاية فترة حكمه
، حيث أشاد بجودة انتاجها من الخضر والفاكهة و تساءل عمن وراء هذا
الانجاز الكبير ، وسعد كعادته حين علم أن المسئول عن الانتاج الزراعى
والمشتل والتشجير مهندس زراعى من أبناء محافظته الأم " المنوفية " .
"عم
هنداوى " عاصر زيارات د. فيفى تكهولم المتكررة لموقع المناجم ، زائرة فى
البداية بعد أن تعطلت سيارتها فدخلت المنطقة لأول مرة مصادفة ، ثم محبة
للمكان اذ زارته بعد ذلك أكثر من مرة . يتذكر " عم هنداوى " الدكتورة
فيفى و هى تدارسه اسماء الأزهار التى كانت تراها فى المشتل الملحق
بالمستعمرة ، وما زال يذكر سؤالها عن زهرة بعينها ؛ كانت زهرة " الجربيرا
" . تلك الذكريات البسيطة الرقيقة جعلته يحمل وهو يغادر مكتبه بالمناجم
صورة الدكتورة فيفى التى كان يعلقها هناك .
ودون
التدخل فى شئون لا تخصنا لنا تساؤل برىء : كيف تسمح شركة الحديد والصلب
بموقعها بالواحات البحرية بالاستغناء عن خدمات هذا الرجل الذى تحمل روحه
و ذاكرته نباتات الغابة واحدا واحدا ؟ نحن نعرف أمثلة لا حصر تجدد فيها
المؤسسات مدة خدمة أفرادها الناشطين المخلصين بعد سن التقاعد حين ترى أن
خبراتهم لا يمكن تعويضها ، فكيف لم تر ادارة المناجم ذلك فى الرجل الذى
عايش الغابة ما يقرب من الثلاثة عقود ، و ما زال ناشطا مخلصا ، فى الوقت
الذى تمدد عقود غيره من الجالسين عل المكاتب . مجرد تساؤل برىء !!!!
تحية للجندى
المجهول ، تحية للمهندس " هنداوى عبد الرازق هنداوى ".
الصور
:

فى
أقصى اليمين المهندس هنداوى"شابا" فى صورة تجمع الرئيس الراحل السادات
ورئيس وزارء مصر وقتها ممدوح سالم أثناء زيارة للواحات البحرية فى نهاية
السبعينات والرئيس يستعرض منتجات مزرعة المناجم من الخضر.

كانت
زيارة سفراء السويد معتادة لمستعمرة مناجم الحديد بالواحات البحرية بعد
أن اهتمت الدكتورة فيفى تكهولم بهذه المنطقة ، وفى الصورة سفير السويد فى
منتصف الثمانينات يصافح المهندس هنداوى باعتباره مسئولا عن الغابة
والمزرعة.

سعادة
سفير دولة السويد بالقاهرة أثناء الزيارة الودية التى قام بها سيادته الى
قسم النبات بكلية علوم جامعة القاهرة فى نهاية فبراير 2005 واجتمع خلالها
بالاستاذ الدكتور عبد الفتاح القصاص واساتذة قسم النبات وتذاكر الجميع
جهود الدكتورة فيفى فى حياتها الزاخرة بالجهد لانشاء قسم النبات وجمع و
تصنيف نباتات مصر ، و كان من الطبيعى تقديم المهندس هنداوى لسعادة السفير
باعتباره واحدا ممن ارتبطوا بالكتورة و أنشطتها المتنوعة.
الصورة تجمع عم
هنداوى " بعد التقاعد "بسعادة سفير السويد فى معشبة القسم أثناء تقديمى
المهندس هنداوى له .

صورة
جماعية فى المكتبة التذكارية للدكتورة فيفى تكهولم بكلية علوم القاهرة
تجمع سعادة سفير السويد والدكتور القصاص واساتذة القسم و المهندس هنداوى
.
التاريخ: يونيو 2005 |