حقوق الإنسان والبيئة في الإسلام والعلاقات الدولية

د. فهمي حسن العلي

وزير مفوض مدير حماية البيئة - الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية

 

شهد العقدان الماضيان تسارعا شديدا لقضيتين مهمتين فرضتا نفسيهما وأخذتا مكانا مرموقا في الساحة الدولية وتصدرتا أولويات جداول الأعمال في المحافل واللقاءات العالمية ألا وهما قضية حقوق الإنسان وحماية البيئة. وهما قضيتان ''جديدتان''. كما اعتبرهما محرر مجلة السياسة الدولية في عددها 110 تشرين الأول (أكتوبر) 1995، ولكن مع فارق ''الجدد'' بالنسبة إلى كل منهما، فقضية حقوق الإنسان في نظري ليست بالقضية الحديثة أو الجديدة فقد حفظ الإسلام منذ عهد الرسالة الأولى للنبي محمد عليه الصلاة والسلام للإنسان أيا كان وحتى الحيوان والنبات حقوقه للحياة في أمان وسلام ينعم بخيرات الأرض وما فيها محفوظ في ماله وعرضه وشرفه.  ونقول إن قضية البيئة جديدة في العلاقات الدولية بكل المقاييس، حيث إن المجتمع الدولي بعد أن كان يتعامل مع قضايا البيئة المبعثرة ويعدّها قضية وطنية أو إقليمية هامشية أدرك بعد مؤتمر البيئة البشرية والتنمية الذي عقد في استوكهولم 1972، أن المشاكل البيئية غدت أهم تحد لبقاء الإنسان واستمرار رفاهيته وحقه كإنسان في التمتع بأعلى مستوى في الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه ويجب أن تعامل كوحدة واحدة على المستوى العالمي والدولي، ومن هنا جاء الربط بين حقوق الإنسان والبيئة في الوقت الحاضر، فحماية البيئة وتنمية مواردها وعدم استنزافها تمثل نوعا من الحفاظ على حقوق الإنسان الحاضر والمستقبل في العيش في بيئة سليمة خالية من مصادر التلوث والتمتع بما وهبه الله فيها من خيرات وثمرات دون استنزاف، أو الإخلال بمقومات هوائها من غازات أوجدها الله سبحانه وتعالى بنسب ثابتة، لأن البيئة في أبسط تعريف لها كل ما يحيط بالإنسان من مخلوقات سواء أكانت حية أو جمادا فيؤثر فيها ويتأثر بها، أي الإطار الذي يمارس فيه الإنسان حياته وأنشطته المختلفة، فهي الأرض التي نعيش عليها والهواء الذي نتنفســـــه والماء الــــذي هو أصـل النشأة لكـــل حي.

 

لم يقتصر الخطر على الموارد غير المتجددة وأهمها المعادن المختلفة التي تعامل معها الإنسان في شمال الكرة الأرضية بإفراط بالغ منذ عصوره الأولى ليشبع نهمه عن طريق اتباع أنماط استهلاكية غير رشيدة، فالخطر امتد أيضا إلى الموارد المجددة، كما تزايدت مسببات التلوث المرتبطة في أحد جوانبها بالاستغلال غير الرشيد لموارد الطاقة التي تعد مخلفاتها أهم مسببات التلوث البيئي ـ ويؤثر هذا التلوث في عناصر البيئة الرئيسية جميعا، حيث تلوث الهواء بالغازات والأدخنة والغبار والجسميات الدقيقة بسبب أنواع معينة من الصناعات والمخلفات والنفايات المتولدة من مصادر الطاقة وحرق الوقود الأصفوري وتلوثت مصادر المياه وانعدمت صلاحيتها وتكدست النفايات الصلبة والمخلفات السامة والخطرة على التربة، ولا جدال في مسؤولية الدول الصناعية أو المتقدمة عن القدر الأكبر من هذا التلوث، فعلى سبيل المثال فإن الولايات المتحدة وحدها مسؤولة عن 33 في المائة من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي تليها كندا 20 في المائة ومن ثم الصين 134 في المائة ثم روسيا 71 في المائة، وهكذا. ونتيجة لهذا برز في العالم الكثير من الظواهر والمشاكل البيئية الكبيرة والخطيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر طبقة الأوزون في الغلاف الجوي وظاهرة الاحتباس الحراري، وزيادة ارتفاع درجة حرارة الأرض، والأمطار الحامضية، وانقراض أو التهديد بانقراض الكائنات الحية وتأثير الهرمونات البيئية في الإنسان ومخاطر التقنيات الحيوية على الطبيعة والإنسان وتوسع التجارة الدولية وازدياد استغلال الموارد الطبيعية واللعب بحياة الإنسان بهدف الربح المادي السريع والجشع، إضافة إلى ذلك ما تعانيه المنطقة العربية من ظواهر التصحر وانحسار الغابات وتقلص الغطاء النباتي وندرة الأمطار ونضوب موارد ومصادر المياه، إضافة إلى تلوثها وعدم صلاحيتها للاستخدام، إضافة إلى تلوث البيئة البحرية، وشح أو ندرة المخزون السمكي.

 
من هذا المنطلق، كان من البديهيات أن تتصدر البيئة وتعرض نفسها على جدول القمة العالمية للبيئة المستدامة في جوهانسبرح 2002، ومشاريع العمل المستقبلية في مفكرة القرن 21 AGENDA والمنبثقة عن مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية الذي عقد في ريدو جانيرو 1992، لتصبح بذلك موضوعا رئيسيا في العلاقات الدولية وهدفا في الانتخابات الرئاسية، وتشكلت الأحزاب البيئية ولجان أصدقاء البيئة وجماعة الخضر وغيرها، وتسابقت الدول والمنظمات الإقليمية والدولية على إطلاق المبادرات البيئية وهذه نتيجة حتمية يترتب عليها إدراك الكثير من دول العالم للصلة الوثيقة بين مواجهة التحدي البيئي ومستقبل كوكب الأرض في إطار التنمية المستدامة. وأصبح على صانعي القرار أن يأخذوا في الحسبان تأثير سياساتهم على البيئة وأحيانا في العالم أجمع وبالتالي تنامي الاعتقاد بأنها ليس من حق دول مهما كانت أن تختار بشكل منفرد وبسيادة مطلقة أسلوبا معينا في التنمية يلحق الضرر بغيرها، ومن هنا جاءت الاتفاقيات والمعاهدات الدولية تحت مظلة برنامج الأمم المتحدة للبيئة لتنظيم تلك العلاقة، حيث لم يكن بإمكان أي دولة منفردة في العالم أن توجه أية من المشاكل البيئية التي أصبحت متداخلة ومتشابكة وحدها سواء المنتجة في حدودها أو التي تعبر حدودها من دولة أو دولة أخرى لأن الأخطار البيئية بالفعل عالمية في طابعها ونطاقها إن كانت محلية في مصدرها ولا تعترف بحدود سياسية أو طبيعية وبالتالي فهي بحاجة إلى حلول عالمية لا يمكن تحقيقها دون توافر أعلى مستوى من التعاون الدولي، بين الدولة المنتجة والمستهلكة للمواد الضارة بالبيئة وحتى لا تكون عملية حماية البيئة على حساب التنمية فمن الضروري السعي بين استمرار التنمية وتحسين نوعية البيئة وهذه قضية بالغة التعقيد وما زال من الصعب للغاية التوصل إلى معايير محددة بشأنها لأسباب بيئية تنموية واقتصادية في آن واحد ولعل ما تمخض عن مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية في مجال تحقيق التنمية القابلة للاستمرار أي التنمية التي تسعى إلى إشباع حاجات الحاضر دون الإضرار بالقدرة على إشباع حاجات المستقبل، هدف نأمل تحقيقه وذلك بأن تظهر الدول الصناعية استعدادها وجديتها لمساعدة دول العالم الثالث، أو الدول النامية على تطوير التنمية فيها ونقل التكنولوجيا النظيفة إليها، وهذا مدخل أساسي لتحقيق تعاون دولي فعال يبدو لي ولغيري بعيد المنال حتى الآن، لأن الدول الصناعية لم تتقدم خطوة واحدة لتقديم العون لتلك البلدان حتى في إطار الاتفاقيات الدولية التي وقعت وانضمت إليها، ولعل أبرزها اتفاقية فينا لحماية طبقة الأوزون والبروتوكولات المنفذة لها واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ وبروتوكول كيوتو بل الأدهى والأمر من ذلك أن الدول الصناعية تسعى لوضع التزامات على الدول النامية هذا بجانب أنها هي نفسها لم تلتزم بأهداف محددة وجدول زمني لتخفيض نسبة انبعاثات كميات غاز ثاني أكسيد الكربون التي تطلقها في الغلاف الجوي.
وتسعى إلى إضافة بنود أو تعديل لفقرات في بعض الاتفاقيات أو البروتوكولات المنفذة لها حتى
تخدم مصالحها كالمتاجرة بنسب انبعاثات الغازات والتنفيذ المشترك وغيره.

 

ولو نفذت دول العالم ما تصادق عليه وتلتزم به من بنود الاتفاقيات أو المعاهدات الدولية لعاشت جميعها في تكامل أمن وسلام، حيث تعمل تلك الاتفاقيات على توفير الحماية لسلامة النظم البيئية والإنماء العالمي في إطار من العمل الجماعي المشترك والمنصف الذي يضمن حق السيادة لكل دولة في استغلال مواردها وفقا لسياستها البيئية والإنمائية وهي مسؤولة عن ضمان ألا تسبب الأنشطة التي تدخل في نطاق حدودها أو سيطرتها أضرارا بيئية لدول أخرى أو بمناطق تتجاوز حدود ولايتها ومياهها الإقليمية. وعلى كل لمواجهة المشاكل العالمية للبيئة وحماية الموارد المشتركة يجب أن تتضافر جهود الأمم المتحدة والمنظمات متعددة الأطراف والمجموعات غير الحكومية والأفراد لتنسيق الجهود العالمية وإيجاد نسيج من المعرفة والمهارات في مجال العلاقات الدولية وعلوم البيئة والتفاوض والقانون والاقتصاد، ولن يجدي في هذا المجال إلا الوصول إلى مدخل عالمي شامل لإدارة الموارد البيئية وتحقيق التنمية المتواصلة مع الحفاظ على سيادة الدول وتنظيم الجهد العالمي لإنقاذ البيئة بوضع أهداف استراتيجية تمثل أهم التغيرات وتتيح في الوقت نفسه تنظيم وقياس، وتقييم التقدم نحو إحداث هذه التغيرات وينبغي أن تساند كل هدف مجموعة من السياسات التي تمكن دول العالم من بلوغه بأسرع وقت وأكفأ هدف وأعدل ما يمكن.

 

وهناك خمسة أهداف استراتيجية يجب أن توجه وترشد الجهود العالمية من أجل إنقاذ البيئة العالية وهي:
أولا: العناية بالتنمية السكانية المتوازنة وتحسين الظروف الاجتماعية والمعيشية والصحية والرقي بمستوى التعليم في كل دول
العالم.

ثانيا: سرعة توفير وتنمية التقنيات المناسبة بيئيا خاصة في مجالات الطاقة، والنقل والزراعة، والبناء، والتشييد والصناعة، والقدرة على التكيف مع التقدم الاقتصادي المستدام دون أن يصاحبها تدهور واستنزاف لموارد البيئة، وعندئذ يتعين نقل هذه التقنيات الجديدة بسرعة إلى جميع الدول، خاصة دول العالم الثالث التي يجب أن يسمح لها بتسديد ثمن تلك التقنيات من خلال الوفاء بالالتزامات المختلفة التي تعهدت بها في الاتفاقيات الدولية.
ثالثا: إحداث تغير شامل وواضح في الإجراءات والمعايير الاقتصادية التي نقيس بها أثر قرارات التنمية على البيئة ويجب أن تتفق دول العالم على صيغة نظام للمحاسبة الاقتصادية يحدد قيما ملائمة لنتائج استغلال الموارد البيئية الطبيعية وبالذات المجانية منها التي لا تدخل في الحسابات الاقتصادية سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات والدول.
رابعا: الجدية في التفاوض للاتفاق على صياغة جيل جديد من الاتفاقيات الدولية التي يجب أن تجسد الأطر المنظمة، والمحظورات النوعية، وآليات التنفيذ، والتخطيط التعاوني، والمشاركة في الترتيبات، والحوافز، والعقوبات، والالتزامات المتبادلة الضرورية بين الدول وينبغي أن تراعي هذه الاتفاقيات الفروق الشاسعة في القدرات والاحتياجات بين الدول المتقدمة والدول النامية.

 
ويجب أن يتمثل الهدف الاستراتيجي الخامس في وضع مشروع تعاوني لتوعية المواطنين في العالم كله وتعريفهم بالبيئة يشمل أولا إنشاء برنامج عالمي شامل لإعادة بحث رصد التغيرات التي تجري الآن في البيئة بطريقة تشرك الناس في كل الدول وبخاصة الطلبة وثانيا، من خلال الجهود المكثفة لنشر المعلومات بالأخطار البيئية المحلية والإقليمية والاستراتيجية أن الهدف النهائي لهذا الجهد هو دعم
أنماط جديدة من التفكير في العلاقة بين الإنسان والبيئة العالمية.

 

ويرتبط كل من تلك الأهداف بصورة وثيقة بجميع الأهداف الأخرى، وينبغي العمل على تحقيقها جميعا في وقت واحد في نطاق الإطار الأكثر اتساعا للتعاون الدولي الذي يقوم على المنفعة المتبادلة، ولعل في توجيهات ديننا الإسلامي الحنيف وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الكثير من القواعد والأسس التي تعزز هذا الأسس وتقويه.

التاريخ : ديسمبر 2005