تناكر المجاري ... قنابل جرثومية

بقلم : تمامة حسين عبدالله

مدير عام شركة تطوير البيئة

 

كلنا نرى تناكر المجاري تجوب شوارع  الكويت بشكل يومي ، وبالرغم من علمنا بما تحتويه من ملوثات إلا أننا اعتدنا هذا المنظر بل وتقبلناه ، ولكن هل تعتبر هذه الظاهرة حضارية ومقبولة صحيا ؟....وما هي مضاعفاتها بيئيا ؟

 

ما هي تناكر المجاري وفيم تستخدم ؟

تناكر المجاري عبارة عن صهاريج صممت من مواد معينة لتتحمل التآكل الناتج عن التفاعلات التي تحدث في مياه المجاري ، وتتراوح في أحجامها حسب الاحتياجات المطلوبة منها ، وتستخدم تناكر المجاري في سحب مياه المجاري من حفر الامتصاص أو جور التخزين أو أية منشآت أخرى ، بهدف التخلص من تلك المياه وردمها في مناطق بعيدة عن المساكن والمرافق المختلفة. ومن المعروف أن استخدام تناكر المجاري تعتبر من الطرق البدائية جدا للتخلص من مياه المجاري وذلك لما لها من تبعات بيئية وصحية تترتب على عمليات السحب والنقل والتفريغ عدا ما تسببه ردم ملوثات المجاري في المرادم  من أخطار على الصحة العامة وعلى البيئة.

      

إن تلك التناكر بمثابة قنابل موبوءة بالجراثيم والميكروبات التي تنتشر في البيئة من بداية سحبها للمياه الملوثة وانتقالها في الشوارع وبين المساكن نافثة سمومها لحين تصريف ما تحتويه من مياه ملوثة في المناطق المخصصة للردم ، هذا في حالة تقيدها بالقوانين المعمول بها بالكويت وتصريفها للمياه التي تحملها في المرادم ، ولكن ماذا إذا لم تتقيد تلك القوانين ؟ وكثيرا ما تفعل ذلك حيث تقوم بعض التناكر بتفريغ محتوياتها في أقرب منهول لتصريف مياه الأمطار فيكون مصير تلك المياه للبحر مباشرة لتقوم بمزيد من التلويث للبيئة البحرية ، أو تختار ستار الظلام لتقوم بتفريغ محتوياتها على الأرض الرملية لتتسرب المياه الملوثة مباشرة للمياه الجوفية فتلوثها ، أو تجد بعض تلك التناكر وبسبب جهل سائقيها تتسرب بعض المياه منها طوال فترة سيرها بالطريق لتسرع من انتشار الأوبئة ، هذا عدا الروائح المنبعثة منها والتي تزكم الأنوف خاصة إذا قدر لك أن تسير خلف إحداها بالشارع .

 

ومن المعروف أيضا أن مياه المجاري تحتوي على ملوثات مختلفة عضوية وغير عضوية هذا عدا ما تحتويه من جراثيم ممرضة وبيوض الديدان وغيرها ، لذا أصدرت المنظمات البيئية والصحية العالمية معايير محددة لتصريف مياه المجاري حفاظا على الصحة العامة ، ولكن هل نعي تلك المعايير هنا بالكويت ؟ وإلى متى ستتنقل تلك التناكر وتتمشى بين ظهرانينا دون أن تجد من يردعها ؟ أما آن الأوان لتسن القوانين التي تمنع من استخدام تلك التناكر وتطبيق الطرق الهندسية المعمول بها في دول العالم المتحضر لحماية صحتنا وبيئتنا من الأمراض والجراثيم التي تنشرها تلك التناكر بالبيئة ؟ نحن نثق بمسئولينا بالكويت ونعلم أنهم بحق يريدون للكويت وأهلها البيئة الصحية النظيفة ، ولكننا فقط نتساءل متى ستحترم القوانين في بلدنا الغالي ؟ ولكن ما هي الحلول التي يمكنها أن تسيطر على تلك الظاهرة فيتوقف استخدام التناكر للأغراض التي ذكرناها ؟

 

هناك حلول قانونية تكمن في استحداث قوانين بيئية صارمة أو تفعيل القوانين البيئية الموجودة حاليا مع تحديد فترة إنذار محددة يتم بعدها تطبيق القانون بشكل قوي والاستمرار في تطبيقه دون توقف أو تحيز لأية جهة ، وفي تلك الحالة لابد من توفير بديل عن تلك التناكر . وهي التي تعتبر الحلول الهندسية . قبل أن نستعرض الحلول الهندسية ، لابد أن نعرف أين تستخدم تناكر المجاري بدولة الكويت ؟

 

استخدامات تناكر المجاري :

تستخدم تناكر المجاري في المجالات التالية :

المجال الأول : استخدامات حكومية : تستخدم التناكر لسحب مياه المجاري من بعض المرافق الحكومية التي لم يتم توصيلها على الشبكة العامة ، أو في محطات معالجة مياه المجاري حيث تقوم بسحب الحمأة الفائضة من تلك المحطات .

المجال الثاني : استخدامات فردية وتستخدم لسحب مياه المجاري المتجمعة في خزانات التجميع (septic tanks ) في بيوت المواطنين .

المجال الثالث : استخدامات  المصانع وتستخدم تناكر المجاري لسحب المخلفات الصناعية السائلة من المصانع .

 

وتتخلص تناكر المجاري من حمولتها بالردم في مواقع الردم المحددة ، أو خفية في أقرب منهول صرف صحي أو منهول صرف الأمطار ، وهنا تكمن الكارثة الأكبر.

 

الحلول الهندسية المستخدمة عالميا للحد من استخدام تناكر المجاري :

أولا: استخدامات حكومية :

تستخدم تناكر المجاري لسحب كميات من الحمأة السائلة من محطات المعالجة ، والكميات المسحوبة تكون أحيانا بسبب عدم استيعاب المحطة لتقادمها وعدم إمكانية توسعتها أو بسبب خلل في المعالجة ينتج عنه تراكم كميات من الحمأة تؤدي إلى ضرورة التخلص منها لتحسين المعالجة ، فهل هذا يعني أن المحطات لا تستطيع الاستغناء عن تلك التناكر ؟ في الحقيقة أنه إذا كان تصميم المحطة كافيا لاستيعاب مياه المجاري المتدفقة عليه أو يسمح بالتوسعة  في حالة الاحتياج لها فإن استخدام التناكر يكون أمرا في طي النسيان ، ولكن إذا كانت المحطة لا تستوعب التدفقات التي تصلها ، أو أنها تستقبل مياه بمواصفات تختلف عن تلك التي تم تصميمها لها ، فما الحل ؟

 

هناك حلول هندسية عديدة تختلف حسب الحالة التي تكون بها المحطة ولكنها تتفق في جوهرها وهو ضرورة توفير البيئة المناسبة لتكاثر الكائنات المجهرية التي تعتمد عليها المعالجة البيولوجية عن طريق إما استخدام مواد كيميائية أو بيولوجية منشطة للكائنات المجهرية الموجودة في مياه المجاري مع تجويعها فتصاب بالنهم وتقوم بالتغذي على المواد العضوية الموجودة بمياه المجاري ، أو إنشاء أحواض إضافية سواء للتهوية أو للترسيب أو لتجفيف الحمأة مع عدم إهمال الصيانة الوقائية والدورية للمحطة. وإذا تعذر إضافة أحواض أخرى بداخل المحطة لعدم وجود مساحة كافية في الموقع ، فإنه يمكن تقسيم جزء من التدفقات ومعالجتها باستخدام وحدات المعالجة المتنقلة وهي محطات معالجة مصغرة يمكن فكها وتركيبها للاستفادة منها حسب الحاجة ، أو الاستفادة من وحدات المعالجة الفردية – سنأتي على ذكرها لاحقا – لاستيعاب التدفقات قبل تحويلها للمحطة وبالتالي تنتفي الحاجة إلى استخدام التناكر .

 

وتعتبر جميع الحلول المذكورة قليلة التكلفة مقارنة باستخدام التناكر على المدى الطويل وما تسببه من تدمير للبيئة واستغلال مساحات كبيرة كمرادم يصعب الاستفادة منها بعد إغلاقها إلا بتكاليف باهظة جدا على الدولة لإعادة تأهيلها ، ناهيك عما تسببه من مشكلات مرورية وبيئية أثناء انتقالها في الطرقات والشوارع .

 

ثانيا : استخدامات الأفراد :

يمكن الاستفادة من وحدات صغيرة الحجم لمعالجة مياه المجاري وإعادة استخدامها لأغراض الري ، وهي مرشحات خاصة توصل بنقطة تجميع مياه المجاري المتجمعة من المنزل أو الشاليه أو المزرعة أو الجاخور ، ويمكن وضع تلك الوحدات بداخل خزانات التجميع – في حالة وجودها – أو عمل حفرة صغيرة وإعدادها بشكل بسيط لتوضع بها الوحدة .

 

كيف تعمل وحدة المعالجة الفردية :

تصب مياه المجاري في وحدة المعالجة حيث يتم الاستفادة من التركيب العضوي للمياه في معالجتها دون  الحاجة إلى أية إضافات ومعظم تلك الوحدات يتم تركيبها من قبل الشركة المصنعة لها ولا تحتاج إلى متابعة مستمرة لأن النظام المستخدم بها يقوم بمعالجة المياه لتصل إلى مياه معالجة ثنائيا أو ثلاثيا - حسب طلب الزبون – وذلك للاستفادة منها في أغراض الزراعة ، وتستخدم تلك الوحدات على نطاق واسع عالميا خاصة في الدول المتقدمة بيئيا ، وتعتبر اليابان من الدول المتقدمة في حماية البيئة حيث تستخدم تلك الوحدات منذ الخمسينات في المنازل خاصة تلك التي تقع في المناطق الجبلية والتي يتعذر توصيلها على الشبكة العامة ، كما يتم استخدام تلك الوحدات في كثير من الدول الأوروبية وغيرها من الدول المتقدمة .

 

ويمكن أن تساهم الدولة - مع تطبيق القانون بإلزام معالجة مياه المجاري المتجمعة من المنازل ، الجواخير، الشاليهات والمزارع – بجزء من تكلفة الوحدات الفردية كما حدث في اليابان وذلك باعتبارها من الخدمات الضرورية التي تقدمها الدولة لرعاياها وهي حماية البيئة من ملوثات الصرف الصحي .

 

المجال الثالث : استخدامات المصانع :

تقوم بعض المصانع بسحب المخلفات الصناعية السائلة والناتجة عن عمليات التصنيع باستخدام تناكر المجاري ، وتقوم بالتخلص منها إما بردمها في مواقع الردم ، أو بتصريفها خلسة على أقرب منهول صرف صحي فتصل إلى محطات المعالجة البيولوجية كتدفق مفاجئ يختلف عما تستقبله المحطة بشكل منتظم مما يؤدي إلى تلف المعالجة بها وإعلان حالة الطوارئ لحين إعادة الوضع كما كان عليه قبل استقبال تلك المخلفات أو تقوم التناكر بتصريف المخلفات الصناعية السائلة على أقرب منهول أمطار في خفية من الأعين وهنا تكون الطامة الكبرى حيث تصب تلك المخلفات في الخليج المتميز بقلة حركة التيارات المائية فيه فتتراكم تلك المخلفات الخطرة وتسبب الكوارث البيئية التي تحتاج إلى تكاليف باهظة لمعالجتها ناهيك عن أضرارها الصحية على السكان .

 

من هنا يتبين حجم الكوارث البيئية التي قد تسببها تلك التناكر ومع ذلك نراها تتحرك بكل حريتها في الطرقات دون أن تجد من يردعها ،،،،، فإلى متى ستستمر تلك الظاهرة المدمرة للبيئة !!!!

 

التاريخ: ابريل 2006