يحدث فى الذكرى السنوية للسحابة السوداء

أبوالعباس محمد – كاتب وصحفى مصرى

مدير مركز الزيتونة للاعلام وبحوث البيئة والتنمية

 

فى وسط العاصمة المصرية القاهرة وعلى أطرافها وجسورها وكباريها وفى شرفات منازلها ووسائل مواصلاتها العامة والخاصة السريعة منها والبطيئة إعتدنا نحن المصريون وفى شهر أكتوبر من كل عام أن ننعى ببالغ الاسى والحزن والسخط – الغير- مغفور لها وصاحبة الخطيئة الكبرى فى حق صحتنا ومزاجنا النفسى الفقيدة وزارة الدولة لشئون البيئة التى رحلت عن دنيانا فى ظروف غامضة .

 

والاتفاق على أن شهر أكتوبر هو التاريخ الرسمى للاحتفال بذكرى رحيل وإختفاء وزارة شئون البيئة جاء بعد أن أعلنت أجهزة الدولة الرسمية عبر تصريحات إعلامية وصحفية أن إنتباه المواطن البسيط لرحيل وغياب وزارة شئون البيئة فى شهر أكتوبرعلى وجه الخصوص بل وتذكره أن هناك وزارة للبيئة من الاصل بعد نسيان دائمولمدة  إحدى عشر شهرا أى طوال العام تقريبا إنماهو يرجع بالمقام الاول إلى الظهورالمألوف  لوزير البيئة والمسئولين معه فى هذا الموعد من كل عام وهم يعلنون فى خجل بتصريحات موسمية مكررة أقرب إلى بيانات إعلان الهزيمة العسكرية  تنعى إلى الامه خطف وإغتيال طهارة وصفاء سماء القاهرة، وأن الضباب والغبار بات يلفها وضيق التنفس والاختناق سوف يبدأ أحكام قبضته وإطباقه على صدور أهلها ولاسيما على المرضى بحساسية الصدر والجهاز التنفسى من الاطفال الذين إذا لم  يغادروا المدينة فى هذه الظروف الطارئة والحالكة السواد عليهم تحمل المسئولية  أوإنتظار الرحيل المحتوم واماسائقى السيارات القادمين والمغادرين من وإلى القاهرة فليحتسبو عند الله أنفسهم ويطبعون قبلة الوداع على أطفالهم وذويهم مع كل رحلة ذهاب وإياب للقاهرة.

 

فسماء القاهرة قد إلتهمتهاوسيطرت عليها وغطتها  السحابة السوداء وإحكام السيطرة على لم يعد أمام وزارة شئون البيئة من سبيل سوى الاستسلام وتسليم منطقة الفضاء الجوى المحيط بالقاهرة الكبرى  لهذا العدو الاسطورى الذى تعهد كعادته  ألا يستمر القصف بالتلوث على رؤوسنا وإصابة الاطفال والعجائز بالاختناق والربو أكثر من مدة شهرونصف تقريبا بعدها تعلن السحابة السوداء إنسحابها ومنح سماء القاهرة إستقلالها. فهذه ا لظاهرة  البيئية الكارثة التى يعايشها سكان القاهرة منذ خمس سنوات واكثر كلما عادت فى موعدها المقرر والمكرر بقدر ماتحدث بنا من أضرارنفسية وصحية مرعبة وخطيرة  بقدر ما تدفع الناس للتذكر أن فى مصر وزيرا للبيئة يتعرفون عليه  بالشبه ومن واقع صورة التذكارية المنشورة فى الصحف وهو يوقع بالموافقة لاأعضاء البرلمان على مشروعات دون دراسة كافية لاأثارها البيئية الضارة.

 

كما يتذكرون صورته التذكارية المشهورة وهو يقف على مدفن القمامة الشهير بالساحل الشمالى وهو مزهوا بقدرة المدفن على تعكير صفو المصطافين وطردهم بالذباب والروائح الكريهة. فلقد فشلت كل مساعى الاعلام أن تضبط وزير البيئة ومن معه فى صور أخرى مخالفة  وهم يقومون مثلا  باغلاق المصانع العشوائية المخالفة المترامية على أطراف القاهرة وهى تنفث بسمومهاوأدخنتها ألى عنان السماء فى تحد صارخ لكافة القوانين البيئية كما  لايتذكر ألناس يوما أنهم أنه طارد اوصادر سيارات الحكومية أوالا أهالى المتهالكة وهى تنثر عوادمها القاتلة فى الشوارع والطرق والكبارى مثلما كانت تفعل الوزيرة السابقة والنشطة نادية مكرم عبيد التى كادت تنجح فى التصدى لظاهرة السحابة السوداء لولا إقالتها المفاجئه وإجبارها على مغادرة الوزارة بدون أسباب لانعلمها حتى الان .

 

وعلى ذلك يمكن القول  إن سياسة خوف الموظف المرتجف دوما من إحالته للمعاش المبكر أو الاستغناءعن خدماته والحرص على الاحتفاظ بالمنصب الوزارى دون مراعاة لاأهميته وجدواه جعلت الاعتقاد السائد بين المصريين أن وجود وزير ووزارة للبيئة من عدمه هو أمر لايعنيهم ولايفرق كثيرا حيث أن التلوث فى الهواء والغذاء والماء لم يطرأ عليه تحسن بل يتزايد و بنجاح ساحق والاشجار تذبح فى الشوارع جهارا نهارا ولاحياة لمن يستغيث وينادى والشواطئ والمحميات الطبيعية تصرخ بلاجدوى من الاغتصاب المتكرر وإنتهاك بكارة هذة المناطق لرجال بزنس وتجار بلاقلب إعتادوا على ذلك وعلى عينك ياتاجر وياوزارة البيئة.

 

فالوزير الحالى إعتاد على سياسة المهادنة والقرارات التوفيقية الباهتة المائعة و التى لم تنجح فى أن تذكر البسطاء بوجود وأهمية وزارة شئون البيئة  فى الدفاع عن حقوقهم بالتمتع بحياة نظيفة خالية من التلوث والموت بالامراض البيئية القاتلة. فلقد أكتفى هذا الوزيرومن واقع عملى الصحفى فى شئون الصحافة البيئية   هو محاولة تطويع الصفحات البيئية المتخصصة فى الصحف المصرية لتتفرغ بالكتابة عن إتفاقيات وبروتوكولات تعاون ومنح ومشروعات بيئية أجنبية قام هو بتو قيعها ولايشعر المواطن العادى بفوائدها مكبلا قدرتها وكابحا لجماحها بأن تقوم هذة الصفحات بدورها الكاشف للجرائم البيئية والمخالفات التى باتت تشكل ظاهرة واسعة الانتشار مع التنامى السكانى وزيادة المناطق الصناعية الجديدة وهنا يحضرنى تعبير أطلقتة على هذا النوع من  الصحافة الذى يرغبه الوزير والذى أعلن عنه صراحة المستشار الاعلامى للوزارة صحافة فاكس خرساء مربوطة العنق والرأس والاطراف.

 

صحافة المداحين والمنشدين ببشاشتة وهو يبتسم لعدسات المصورين ويوقع الاتفاقيات ويتحدث عن إنجازاته فى زراعة أشجار المنجاروف والغابات الخشبية التى لانعرف منها إلاالقليل وفى محافظتى الفيوم والاسماعلية حيث تمت زراعتهما بحكم أنه كان من القيادين بوزارة الزراعة والمشرفين على هذين المشروعين. وحتى لايبدو أننى من المتحاملين على السياسة المرتبكة لوزارة ووزير البيئة أستشهد هنا  بتقرير للبنك الدولى عن عام 2003 الذى أكد  ان الخسارة الاقتصاديةالناجمة عن تدهور الاوضاع البيئية فى مصر بلغت نحو 3,2 بليون دولار ( 14,5 بليون جنيها مصريا) أى 5% من الناتج المحلى الاجمالى  وأوضح التقرير أن الخسارة الناجمة من تلوث الهواء وحده تحتل المرتبة الاولى بنحو 6,4 بليون جنية.

 

وهى ذات الرؤية والنظرة والتقدير التى كان الخبير البيئى العالمى والمدير السابق لدائرة التوقعات البيئية فى برنامج الامم المتحدة والاستاذ بالمركز القومى للبحوث  الدكتورعصام الحناوىقد لمح إليها مبكرا وقبل عامين عندما نشر فى مقال علمى رأئع رفيع المستوى  بمجلة البيئة والتنمية المحترمة فى نوفمبر 2001 حيث أشار إلى التدهور البيئى الخطير والمتزايد الذى تعانى منه مصر يهدد برسم صورة قاتمة  لمستقبلنا البيئى وإلى عام 2020 وهو ماثبت صحته فى التقرير الاخير للبنك الدولى المشار إليه.

 

وغنى عن البيان أن من يرغب أكثر فى قراءة المزيد من عبارات الرثاء لاإختفاء وزارة البيئة وعدم جدواها علية بمطالعة أعمدة كبار الكتاب مثل فاروق جويدة وسلامة أحمد سلامة واحمد رجب وعباس الطرابيلى فى صحف الاهرام والاخبار والعالم اليوم والوفد وهم يسألون أين وزير البيئة وهل هناك وزير ووزارة للبيئة فى مصر فى النهاية أقول أن ضعف وزارات البيئة فى وطننا العربى إنما هو دليل قاطع على أن النظم السياسية فى بلادنا لم تدرك بعد أنه لايوجد لدينا كوكب اخر والسحابة السوداء تؤكد إنتصارها علينا فى شهر أكتوبر من كل عام وكأنها تهدف إلى نسيان إنتصارات أكتوبر التى لم يعد سواها نتمسك به من أجل أحقيتنا فى البقاء والعيش والحياة .