|
لصوص الاشعاع
بقلم
: احمد بهجت
وقعت في غزو العراق احداث
يدعو ظاهرها الى الضحك، وإن كانت في حقيقتها احداث فاجعة تدعو الى
البكاء. من هذه الاحداث حكاية البراميل الملوثة بالاشعاع، وهي براميل
نهبت من منشأة نووية. وقع الحادث في منطقة فقيرة تبعد عن جنوب بغداد 25
كيلومتراً. وتفصيل الحادث ان الاجتياح أغرق البلاد في فوضى لم نشاهد لها
مثيلاً في عصرنا. لقد اختفى الجيش وتبخر البوليس وغابت السلطة وبالتالي
لم تعد هناك دولة... او حكومة. وفي غياب الدولة كان أمراً طبيعياً ان
تُضاء العلامة الخضراء امام اللصوص والمجرمين وان تبدأ سلسلة من النهب
والسلب. وهذا ما وقع . . .
لم يكن العراق في عهد صدام
حسين دولة مؤسسات، انما كانت دولة بوليسية يتحكم فيها رجل واحد، فإذا
انهار هذا الرجل انهار معه كل شيء . . وهكذا هجم الفقراء في منطقة
التويثة على المنشأة النووية القريبة منهم، ماذا كانوا يريدون؟ كانوا
يريدون اي شيء يصلح للاستخدام، كانوا فقراء الى حد انهم كانوا يستخدمون
البراميل في حفظ الطعام والماء بدلاً من الثلاجات. وهجمت الموجات الاولى
من الفقراء على المنشأة وهناك عثروا على 500 برميل، سرقوا منها 150
برميلاً. كانت هذه البراميل تستخدم لتخزين اليورانيوم بيروكسايد، وهي
مادة خام للوقود الاشعاعي. اخذ الفقراء هذه البراميل وغسلوها واستخدموها،
من دون ان يدور في ذهن احدهم ان اشعاعها القاتل يهدد من يتعرض له بالمرض
الطويل والموت البطيء.
هذا الحادث الذي يمكن
اعتباره كارثة بيئية تتصدى لها اليوم القوات الاميركية كما تتصدى لها
جماعة السلام الاخضر، وهي جماعة تدافع عن البيئة وتهتم بنجاتها من
التلوث. حاول الجيش الأميركي ان يغري لصوص هذه البراميل بتقديم مكافأة هي
ثلاثة دولارات لمن يقدم برميلاً من البراميل المسروقة. وفشل هذا العرض في
اقناع احد بتقديم البراميل المسروقة، اما جماعة السلام الاخضر فقدمت
عرضاً اكثر واقعية، انها تقدم برميلاً جديداً نظيفاً مقابل كل برميل
مسروق (ثمن البرميل الجديد 15 دولاراً). وقد نجحت جماعة السلام الاخضر في
استعادة 4 براميل، واعتبرتها بداية لا بأس بها... تثير القصة في مجموعها
دهشة لا تخلو من سخرية، أن العراق معروف بتعدد موارده الطبيعية وثرائه،
وعلى رغم ذلك نجح الحكم الشمولي الديكتاتوري في أن يسلم العراق الى بؤس
يتمثل في لصوص يسرقون المصائب ويرفضون التخلي عنها لفقرهم.
ذكرتني هذه القصة بفيلم
سينمائي كانت الضحكات فيه مبللة بالاسى والدموع. وكان فيه هذا الصنف
العجيب من اللصوص الذين يسرقون المصائب وهم يجهلون انها مصائب. تبدأ
احداث الفيلم بطائرة اميركية تحمل داخلها صندوقاً من الرصاص يضم داخله
مادة مشعة، كان المطلوب القاء هذا الصندوق في مكان ما في البحر، مكان
يبعد عن الشواطئ المأهولة بالناس. ثم وقع خلل فني في الطائرة . . تهيأت
الطائرة بعده للسقوط، كانت الطائرة تطير، ساعتئذ، فوق شاطئ جزيرة
يونانية. وقفز الطيار ومساعده بمظلتين وتحطمت الطائرة وطار الصندوق من
دون أن يدري أحد الى اين ذهب واين استقر به المقام بعد أن هبط الطياران
داخل الجزيرة، بدأ كل واحد يفكر في مشكلة الصندوق الذي يضم نفايات نووية
مشعة وقاتلة. اين ذهب الصندوق؟ لقد اختفى حطام الطائرة في البحر، وربما
في جبال الجزيرة، وربما على احد شواطئها الصخرية . . لا أحد يعلم. لا بد
من بحث عن حطام الطائرة للوصول الى الصندوق الذي كان المفروض القاؤه في
المحيط ويجب أن يتم هذا كله في الخفاء حتى لا ينزعج اهل الجزيرة بهذه
المصيبة التي ترقد على شواطئهم وتهدد حياتهم بلا استثناء. واتفق الطياران
على أن يظهرا نفسيهما لسكان الجزيرة ويقولا انهما يرصدان مكافأة لمن يعثر
على حطام الطائرة. واخفيا موضوع الصندوق تماماً. انتعشت الجزيرة الفقيرة
بأخبار المكافأة التي رصدها ابناء العم سام وتغير موقف اهلها من الخمول
والتثاؤب في المقاهي الى النشاط الذي يحلم بمكافأة الاميركيين لمن يعثر
على الطائرة. وبدأت مجموعات بحث راحت تزرع الجزيرة طولاً وعرضاً من دون
ان تعثر على حطام الطائرة. في هذا الوقت، كان هناك صياد سمك فقير يجرب
حظه في الصيد فلم يعثر على السمك ولكنه عثر على الصندوق الرصاصي الذي يضم
داخله نفايات نووية. حاول الصياد فتح الصندوق فلم يفلح، وهكذا حمله الى
بيته وهو سعيد يتصور انه عثر على كنز. استمرت فرق البحث في بحثها عن حطام
الطائرة، واستمر الصياد في محاولته فتح الصندوق، ولكنه لم يستطع. كان
الصياد يشتغل وحوله صراخ اطفاله من الجوع.
كان هذا المشهد هو قمة
الكوميديا في المأساة. في الوقت نفسه الذي دب فيه النشاط السياحي في
الجزيرة، فقد تسامع اهل الجزر القريبة بما حدث وجاؤوا يسهمون في البحث
طمعاً في المكافأة. ومرت الايام والصياد يحاول فتح صندوق الكنز من دون
نجاح، ثم سرق اخيراً مادة تستطيع اذابة الرصاص وفتح الصندوق، وجد داخله
ثلاث قطع معدنية في حجم حبة البلح، حاول ان يأكلها ولكنها كانت في صلابة
الرصاص، وطوح الصياد بالقطع المعدنية وانصرف يائساً. ومرت أيام . . وبدأ
البحر يرمي على شواطئ الجزيرة بالاسماك الميتة بسبب الاشعاع، واشتد الرقص
في الملاهي والمقاهي وراح الناس يتنفسون هواءً ملوثاً بالاشعاع، ويأكلون
اسماكاً ملوثة بالاشعاع ويرقصون رقصة الموت.
جريدة الحياة 2003/07/5 |