توقعات البيئة العالمية 2002: غرب آسيا عطشى للمياه وسياسات السوق تدمر البيئة العالمية

عرض: باتر محمد علي وردم

باحث في شؤون البيئة والتنمية المستدامة- الأردن

 

على خلفية مؤتمر جوهانسبرج، نشر برنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP تقريره العالمي الثالث حول حالة البيئة في العالم والموثق بأحدث المعلومات والاحصائيات المحكمة وذلك تحت عنوان Global Environmental Outlook 3  وقد تم إعداد هذا التقرير من خلال تنسيق جهود مئات الباحثين في العديد من المؤسسات والمنظمات الحكومية والمدنية والخاصة في أرجاء العالم، ليصبح بذلك المرجع الأكثر دقة وشمولية لتقييم حالة البيئة في العالم.

 

أهم النتائج:

ويضع التقرير العديد من الحقائق المثيرة للتوتر فيما يتعلق بمستقبل التنمية في العالم، وبالذات بالنسبة إلى نوعية الأراضي، حيث يشير إلى أن حوالي 70% من مساحة الأراضي في العالم سوف تتأثر بالنشاطات البشرية وخاصة شق الطرق والتعدين وتوسع المدن وتطوير البنية التحتية خلال السنوات الثلاثين القادمة. وسوف تكون أكثر المناطق المتأثرة بهذه النشاطات في قارة أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي والتي ستصل نسبة الأراضي المتأثرة فيها إلى 80% وتليها قارة آسيا بنسبة 75% والتي ستتأثر بسبب رئيسي بسبب عشوائية سياسات  إنشاء البنية التحتية. أما المشكلة الرئيسية الأخرى فهي شح المياه العذبة، حيث يتوقع التقرير أن يعيش حوالي نصف سكان العالم في مناطق شحيحة بالمياه في العام 2030 إذا ما سيطرت السياسات الاقتصادية الحالية على عمليات اتخاذ القرار. وبالتأكيد فإن التقرير يضع منطقة غرب آسيا كأكثر المناطق التي من المتوقع أن تتأثر بشح المياه، لأن حوالي 90% من سكان هذه المنطقة سوف يعيشون في مناطق "ذات شح كبير بالمياه" في العام 2030.

 

ولكن هناك بعض الأخبار الجيدة أيضا، حيث أن عدد الجياع في العالم قد تراجع قليلا خلال السنوات الماضية، وفي أحد السيناريوهات المستقبلية فإن نسبة الجياع سوف تنخفض إلى 2.5% من مجموع سكان العالم، وهذا يتماشى مع الهدف الذي حددته الأمم المتحدة أثناء انعقاد قمة الألفية لمكافحة الجوع. ومن المتوقع أيضا، ومن خلال تطوير تقنيات جديدة في تقليل الانبعاثات وفي تطوير بعض التشريعات الصارمة أن يستقر معدل الكربون المسبب للاحتباس الحراري في الجو في العام 2030.

 

وبشكل عام، فقد أوضح التقرير أن بعض التطور الايجابي قد حدث فيما يتعلق بنوعية المياه في الأنهار والبحيرات في أميركا الشمالية في أوروبا، كما يعتبر نجاح الجهود العالمية في إبطاء تدهور طبقة الأوزون من خلال منع إنتاج وتقليص استهلاك المواد المستنزفة للأوزون. ولكن تتوقف النجاحات عند هذا الحد فقط حيث كانت هناك العديد من الإخفاقات في كل مجالات حماية البيئة الأخرى تقريبا. وقد ركز التقرير أيضا على ظاهرة تزايد هشاشة Vulnrability  المجتمعات البشرية للأخطار والكوارث البيئية مثل الفيضانات وكذلك الهشاشة أمام عدم الأمن الغذائي وتدهور الصحة، وذلك نتيجة تدهور الأنظمة البيئية بشكل عام.

 

أما أكثر الفئات الاجتماعية تعرضا للمخاطر البيئية فهم الفقراء وغير المتعلمين والمرضى والمهمشين. وقد ارتفع عدد الاشخاص المتأثرين بنتائج الكوارث الطبيعية في العالم من 147 مليون شخص سنويا في الثمانينات إلى 211مليون شخص سنويا في التسعينات، كما وصلت الخسائر الاقتصادية من الكوارث الطبيعية في العام 1999 إلى 100 بليون دولار أميركي. وارتفع كذلك مستوى الكوارث الطبيعية المرتبطة بالمناخ، ففي التسعينات كان حوالي 90% من ضحايا الكوارث الطبيعية متأثرين بحالات الجفاف والفيضانات والأعاصير المرتبطة بشكل وثيق بتغير المناخ نتيجة النشاطات الإنسانية.

 

ويتسبب التدهور البيئي بتأثيرات اقتصادية كبيرة على بعض الدول، فالهند تخسر سنويا 10 بلايين دولار أي ما يعادل 4,5% من ناتجها القومي الإجمالي بسبب تدهور نوعية الأراضي نتيجة النشاطات الإنسانية التي تسبب بخسائر إنتاجية تصل إلى 2.4 بليون دولار سنويا. وترتبط حالات تدهور نوعية المياه مع تدهور الصحة أيضا فتلوث البحار والشواطئ بالمياه العادمة أصبح يشكل خطرا على ملايين الأشخاص.فعلى سبيل المثال، يتسبب استهلاك المحار الملوث في حدوث 2.5 مليون حالة من التهاب الكبد الوبائي سنويا ينتج عنها 25 ألف حالة وفاة وكذلك 25 ألف حالة إصابة جسدية شبه دائمة لأنسجة الكبد.

 

ويعتبر التقرير أن أحد أسباب المشاكل البيئية في العالم حاليا هي الهوة الشاسعة ما بين الأغنياء والفقراء، فحاليا يقوم حوالي 20% من سكان العالم باستهلاك 90% من منتجاته وهذا ما يترك حوالي 4 بلايين شخص يعيشون على دخل ما بين 1-2 دولار أميركي سنويا. وتاليا شرح مفصل عن توجهات البيئة العالمية كما ظهرت من خلال تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي يتابع ويقيم وضع البيئة العالمية ما بين 1972 و2002:

 

الأراضي:

بالتأكيد أن أهم الأسباب التي شكلت ضغطا على الموارد الطبيعية والأراضي خلال السنوات الثلاثين الماضية كان ولا يزال نسبة النمو السكاني المرتفعة والحاجة إلى انتاج المزيد من الغذاء ، فحاليا يوجد 2.2 بليون شخص يجب إطعامهم أكثر مما كان في العالم عام 1972. وقد ساهمت السياسات الزراعية العشوائية في تدهور الأراضي في العالم، ففي الثمانينات تم التخلي عن حوالي 10 ملايين هكتار من الأراضي الزراعية بسبب تدهور نوعيتها. وفي قارة آسيا ومنطقة المحيط الهادئ (الباسيفيكي) ارتفت مساحة الأراضي المزروعة من 125 مليون هكتار عام 1972 إلى 175 مليون هكتار حاليا. والمشكلة هي أن أنماط الزراعة المكثفة والعشوائية تؤدي إلى تدهور التربة وخاصة من خلال التملح. ونتيجة لذلك، فإن حوالي 10% من مجموع الأراضي الزراعية في العالم، أي ما يعادل 30 مليون هكتار، تصنف حاليا بأنها أراضي متدهورة بشدة.

 

ويعتبر انجراف التربة سببا رئيسيا آخر في تدهور نوعية الأراضي الزراعية، فحوالي 2 بليون هكتار من التربة، اي ما يعادل 15% من المساحة الكلية لليابسة على كوكب الأرض، وهي مساحة أكبر من الولايات المتحدة والمكسيك مجتمعتين، تصنف الآن كأراضي متدهورة نتيجة النشاطات الإنسانية. وأهم أنواع تدهور التربة هي الانجراف المائي56% والانجراف بسبب الرياح (28%) والتدهور الكيميائي (12%) والتدهور الفيزيائي أو الهيكلي (4%).

 

أما الرعي الجائر فيتسبب في 35% من تدهور الأراضي بينما يتسبب قطع الغابات (التحطيب) بحوالي 30% مقارنة مع الزراعة (27%) والاستغلال الجائر للغطاء النباتي (7%) والنشاطات الصناعية (1%).

ومن أهم المظاهر المميزة للسنوات الثلاثين الماضية كانت ارتفاع نسبة الزراعة في المناطق الحضرية، والذي يمارس في معظم التجمعات المنزلية في آسيا، فحوالي 30% من الطعام في روسيا يأتي عن طريق نسبة 3% من المناطق الحضرية القريبة من المدن الكبيرة كما أن حوالي 65% من سكان موسكو يعملون في الزراعة مقارنة بحوالي 20% فقط في العام 1972.

 

المياه العذبة:

يعتبر حوالي نصف أنهر العالم في حالة ملوثة أو متدهورة، وخاصة أن 60% من أكبر 227 نهرا في العالم تم تقليص كمية المياه فيها وتدهورت نوعيتها بسبب بناء السدود وبعض النشاطات الهندسية الأخرى. وكانت لمثل هذه النشاطات منافع، منها زيادة إنتاج الغذاء وتوليد الطاقة الكهربائية من المياه، ولكن الكثير من الدمار لحق بالأراضي الرطنة وقاطنيها نتيجة لذلك، فحوالي 80 مليون شخص تم تهجيرهم من أراضيهم ومجتمعاتهم الطبيعية بسبب بناء السدود وتحويل مجاري الأنهار الطبيعية.

 

ويعتمد حوالي 2 بليون شخص، أي ثلث سكان العالم على المياه الجوفية للشرب، وفي مناطق لهند والصين وغرب آسيا ودول الاتحاد السوفييتي السابق فأن مستويات المياه الجوفية تنخفض بشدة نتيجة الضخ الجائر. ويؤدي هذا الضخ إلى دخول المياه المالحة إلى أحواض المياه الجوفية في المناطق الساحلية، وعلى سبيل المثال فقد تقدم غزو المياه المالحة للأحواض الجوفية في ولاية مدراس الهندية مسافة 10 كيلومترات خلال السنوات الأخيرة.

 

وفي منتصف التسعينات، كانت حوالي 80 دولة تضم 40% من سكان العالم مصنفة كدول ذات نقص كبير بالمياه العذبة، بينما لا يزال 1.1 بليون شخص غير قادرين على الوصول للمياه النظيفة الآمنة و2.4 بليون شخص يعيشون من دون وسائل الصرف الصحي وخاصة في إفريقيا وآسيا. ولكن على الجانب الآخر من العملة فإن نسبة الأشخاص الذين تخدمهم وسائل نقل مياه الشرب الآمنة ارتفع من 4,1 بليون شخص عام 1990 إلى 4,9 بليون شخص عام 2000.

 

هناك أيضا مشاكل كبيرة متعلقة بالأمراض المنقولة بواسطة المياه، فحوالي 2 بليون شخص معرضون للإصابة بمرض الملاريا بينما يصل عدد الإصابات في أية لحظة إلى 100 مليون إصابة ينتج عنها مليوني حالة وفاة سنويا. كما أ، هناك حوالي 4 بلايين إصابة  و2,2 مليون حالة وفاة من الإسهال سنويا وهو ما يعادل حدوث 22 حالة تحطم لطائرات الجامبو يوميا طوال سنة كاملة! أما إصابات الديدان المعوية التي تنقل عبر المياه فتصل إلى 10% من سكان العالم النامي، وهناك 6 ملايين شخص أصيبوا بالعمى بسبب مرض التراخوما بينما لا يزال يصاب حوالي 200 مليون شخص بمرض البلهارسيا سنويا في العالم.

 

الغابات والتنوع الحيوي:

تقدر منظمة الأغذية والزراعة العالمية أن نسبة تدهور الغابات قد وصلت إلى 2.4% منذ العام 1990، علما بأن الغابات تمثل حوالي ثلث مساحة اليابسة على سطح الأرض. أما أكبر الحسائر فقد حدثت في إفريقيا التي خسرت 52.6 مليون هكتار أو 0.7% من مساحة غاباتها في العقد الماضي. ويحدث التحطيب عادة لأغراض إنتاج الخشب والورق، وقد بلغت كميات الخشب التجاري الذي تم إنتاجه 3.3 بليون متر مكعب أكثر من نصفها يستخدم كمصدر للطاقة في الدول النامية. في نهاية العام 2000 تم تخصيص حوالي 2% من مساحة الغابات في العالم لغايات الاستخدام المستدام ومعظمها في أوروبا وأميركا الشمالية، وينتظر أن تتوسع هذه الوسائل لتشمل الغابات في أميركا اللاتينية وإفريقيا وهي الأكثر تعرضا للتدهور. أما غابات المانغروف ومناطق حضانة الأسماك في السواحل فتهددها عوامل بيئية أخرى منها الحصاد الجائر للأخشاب والسياحة وتنمية السواحل وأكثر من نصف غابات المانغروف التي تم إزالتها في العقد الماضي تحولت إلى مزارع للجمبري.

 

وبناء عليه، فإن تدمير الموائل مثل الغابات والأراضي الرطبة والمناطق الساحلية يهدد بارتفاع نسبة الانقراض بين الكائنات الحية في العالم. فحوالي 12% من الطيور ( أي 1183 نوعا) وحوالي 25% من الثدييات ( أي 1130 نوعا) يعتبروا الآن ضمن الكائنات المهددة بالانقراض. ومن أهم المشاكل التي باتت تهدد التنوع البيولوجي في العالم مشكلة إدخال الكائنات الغريبة إلى مناطق طبيعية وموائل لا تعيش فيها أصلا مما يمس بالتوازن الطبيعي وتنمو هذه الكائنات الغريبة على حساب الكائنات الأصيلة مجردة إياها من مواردها ومساحات تحركها. وفي العام 1939 قدر العلماء أن حوالي 497 نوعا غريبا من الأسماك العذبة والبحرية تم إدخالها إلى مناطق لا تنتمي إليها اصلا بينما ارتفع هذا الرقم في التسعينات إلى 2124 نوعا. وقد ارتفعت مساحة المناطق المحمية في العالم من 2.8 مليون كم مربع في العام 1970 إلى حوالي 12.2 مليون كم مربع عام 2000 كما ارتفع عدد المواقع من 3392 إلى 11496 في نفس الفترة. وقد أثبت بحث تقييمي شمل 93 منطقة محمية أن غالبتها نجحت في تحقيق أهدافها وخاصة ايقاف قطع الأشجار وتفريغ الأراضي من الغطاء النباتي ولكنها كانت أقل نجاحا في مقاومة الصيد والحرائق والرعي.

 

المناطق الساحلية والبحرية:

في العام 1994 كان 37% من سكان العالم يعيشون ضمن شريط المناطق الساحلية، وهذا الرقم يعتبر أكبر من العدد الكلي لسكان العالم في العام 1950. ويعتبر التلوث من المياه العادمة المنزلية هو أكبر المخاطر التي تهدد المناطق الساحلية على مستوى العالم، وخاصة بالنسبة للدول النامية حيث يزداد هذا التلوث نتيجة عمليات التحضر السريعة والتنمية الساحلية وزيادة عدد السكان وعدم كفاءة سياسات وخطط التخلص من المياه العادمة. وتصل قيمة الكلفة الاقتصادية الكلية للتلوث على صحة الإنسان والبيئة الساحلية إلى 13 بليون دولار قريبا.

تعتبر المخصبات والمبيدات المستخدمة في الزراعة من المخاطر التي لا يستهان بها على الأنظمة الساحلية حيث تتسبب في زيادة تركيز المغذيات النباتية والعناصر المعدنية مثل النيتروجين والفوسفور والتي تؤدي بدورها إلى ظاهرة "الإثراء الغذائي" ونمو الطحالب على سطح المياه. وما بين عامي 1991 و 1992 خسر مزارعو الأسماك في كوريا ما مجموعه 133 مليون دولار بسبب ظاهرة نمو الطحالب الحمراء السامة على المياه الساحلية بسبب تزايد نسبة المغذيات النباتية في مياه البحر.

 

أما مصادر التهديد الأخرى على البحار فتشمل التغير المناخي وانسكاب الزيوت من السفن والبواخر، والتلوث بالعناصر الثقيلة والملوثات العضوية الدائمة بالإضافة إلى التجريف الناجم عن عمليات إنشاء البنى التحتية على السواحل، ويؤثر التجريف بالتراب والأغبرة بشكل رئيسي على أنظمة الحيود المرجانية في البحر الكاريبي وجنوب شرق آسيا. وبسبب الصيد المكثف والجائر، يصنف أكثر من نصف محصول السمك العالمي حاليا بأنه "ناضب" أو مهدد بالتدهور نتيجة لسياسات الدعم التي تقدمها الكثير من الدول لصيادي الأسماك فيها وتصل إلى 20 بليون دولار سنويا.

 

الغلاف الجوي:

وصلت نسبة تقلص طبقة الأوزون التي تحمي الحياة على الأرض من تأثير الأشعة فوق البنفسجية إلى معدلات قياسية. ففي أيلول 2000 وصلت مساحة ثقب الأوزون فوق القارة المتجمدة الجنوبية (أنتاركتيكا) إلى 28 مليون كم مربع. وقد حصل هذا بالرغم من نجاح معاهدة مونتريال لحظر إنتاج واستهلاك المواد المستنزفة للأوزون منذ العام 1987 في تقليل معدلات استخدام هذه المواد. وقد تم استثمار حوالي 1.1 بليون دولار من خلال مساعدات إلى 114 دولة نامية من أجل التخلص التام من استخدام المواد المستنزفة للأوزون وهي في الأساس غازات تبريد تسمى "الكربونات المكلورة المفلورة"، وفي العام 2000 تم تقليص استخدام هذه المواد بنسبة 85% ومن المتوقع أن تعود طبقة الأوزون إلى حالتها الطبيعية في منتصف القرن الحادي والعشرين، علما بأن التأثيرات الحالية هي نواتج الانبعاثات السابقة المتراكمة في الغلاف الجوي. أما انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، والتي تعتبر السبب الرئيسي وراء ظاهرة التغير المناخي (الاحتباس الحراري) أو تزايد درجات الحرارة في العالم فيصل تركيزها في الغلاف الجوي حاليا 360 جزءا بالمليون كما ارتفعت أيضا تراكيز غازات الاحتباس الحراري الأخرى مثل الميثان وأكاسيد النيتروجين.

 

سيناريوهات للمستقبل:

قدم تقرير GEO 3 أربعة سيناريوهات لمستقبل حالة البيئة في السنوات الثلاثين القادمة، اعتمادا على المتغيرات الاقتصادية-الاجتماعية المختلفة التي يمكن أن تحكم عملية اتخاذ القرار والأولويات في السنوات القادمة. وقد تراوحت السيناريوهات ما بين "السوق أولا" والذي يعتمد على استمرار هيمنة سياسات الاقتصاد النيوليبرالي التي تحكم العالم حاليا من خلال مؤسسات العولمة مثل صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وما بين سيناريو "الاستدامة أولا" والذي يفترض تغير أنماط الإدارة واتخاذ القرار في العالم لصالح دمج التنمية المستدامة في التخطيط بالإضافة إلأى تغيير حذري في القيم وأنماط الحياة، وهو السيناريو النموذجي بالنسبة للبيئيين ولكن ليس من السهل تحقيقه بسبب العوامل الاقتصادية الرأسمالية القوية التي تحكم طريقة اتخاذ القرار.

 

فبالنسبة للأراضي، وفي العام 2030 ستكون نسبة 3% من مجمل مساحة الأراضي في العالم قد تحولت إلى بنايات وشوارع ومرافق تنموية واقتصادية من خلال سيناريو " السوق أولا". وستكون أكثر منطقة معرضة للنمو العمراني هي جنوب شرق آسيا (5%) وأقلها في أوروبا (2%) بينما تعتبر الزيادة المتوقعة في غرب آسيا كبيرة أيضا، وستكون لهذه التوسعات في إنشاء الطرق والبنايات والمصانع ومشاريع البنى التحتية الأخرى آثار وخيمة على التوازن الطبيعي والتنوع الحيوي بالأخص. أما في حال تطبيق سيناريو "الاستدامة أولا" فإن مساحة الأراضي المبنية سوف تزيد بشكل قليل في معظم قارات العالم وتتراجع في أميركا الشمالية وأوروبا من خلال تطبيق سياسات تخطيط تركز على جعل المدن أكثر كثافة وتقليل التوسع الخارجي.

 

أما فيما يتعلق بالمياه العذبة، فإن سيناريو "السوق أولا" يعني أن عدد الأشخاص الذين يعيشون في مناطق تتميز بشح المياه سوف يزداد في كل أنحاء العالم، وستصل النسبة إلى 55% من سكان العالم عام 2030 مقارنة بحوالي 40% في العام 2000 وكما هو معروف ستكون أكبر نسبة من الأشخاص الذين يعيشون في مناطق شحيحة بالمياه هي في غرب آسيا وبنسبة 95% عام 2030 وتليها آسيا بنسبة 65%. أما فيما يتعلق بسيناريو الاستدامة أولا والذي يفترض تطبيق إدارة أفضل للموارد المائية وتقليل ضخ المياه فيفترض التقرير ثبات نسبة الأشخاص الذين يعيشون في مناطق شحيحة بالمياه على أقل تقدير.

 

وفيما يتعلق بالغابات والتنوع الحيوي فإن سيناريو "السوق أولا" يفترض التوسع السريع في إنشاء البنى التحتية والمرافق والذي سيؤدي بدوره إلى تقسيم وتدهور الأنظمة البيئية والموائل والتأثير السلبي على الكائنات الحية التي تعيش فيها. وسيتم حدوث التأثير الأكبر على الأراضي في أميركا اللاتينية والتي ستصل إلى 85% بينما تعتبر منطقة غرب آسيا الأقل تأثرا بتدهور الأراضي والتي تصل النسبة فيها إلى 50%. أما ضمن سيناريو "الاستدامة أولا" فمن المفترض أن تصل نسبة الأراضي والأنظمة البيئية المعرضة للتدهور إلى حالة توازن في العام 2030 إذا ما تم تطبيق سياسات تخطيط حكيمة.

 

أما بالنسبة للمناطق الساحلية والبحرية فأن تركيز النيتروجين كمؤشر على التلوث البحري سوف يزداد تحت سيناريو "السوق أولا" وخاصة في منطقة البحر الأبيض المتوسط والتي تتعرض إلى العديد من الضغوطات الناجمة عن النشاطات الإنسانية وعدم كفاءة أنظمة التنقية ومعالجة النفايات السائلة والصلبة. أما ضمن سيناريو الاستدامة أولا فيفترض تحسين أنظمة إدارة المياه العادمة والنفايات مما يؤدى إلى تناقص تركيز الملوثات في كل المناطق الساحلية في العالم باستثناء منطقة غرب آسيا.

 

وفيما يتعلق بحالة الغلاف الجوي فإن سيناريو السوق أولا يفترض زيادة انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون من النشاطات الصناعية والتنمية الناتجة عن حرق الفحم الحجري إلى حوالي 16 بليون طن عام 2030 حيث ستكون نسبة الغاز في الغلاف الجوي 450 جزءا بالمليون وفي الطريق نحو الوصول إلى تركيز 550 جزءا بالمليون وهو ضعف تركيز الغاز في الغلاف الجوي قبل الثورة الصناعية والمتوقع أن يحدث ذلك عام  2050. وتحت سيناريو الاستدامة أولا، وبافتراض تطبيق سياسات اقتصادية وإنتاجية تقلل استهلاك الفحم الحجري وتركز على كفاءة استخدام الطاقة والتركيز على موارد الطاقة المتجددة فإنه من المتوقع أن يكون تزايد الكربون قليلا إلى أن يصل إلى حالة استقرار في العام 2030.