|
رائحة الموت والمرض أزكمت أنوفنا
بقلم : ديان
ستيوارت
لجأ نصف مليون رواندي
إلى تنزانيا في أوائل 1994 هرباً من المذابح، وأقاموا في حزام من
المخيمات وسط الأدغال حيث مات كثيرون جوعاً ومرضاً. هنا انطباعات موظفة
دولية عملت في إجلاء اللاجئين واعادتهم إلى بلادهم.
القادم إلى مخيم بيارو يشتم رائحته قبل أن يراه
:
استغرق وصولنا من كسنغاني في شمال شرق زائير ثلاث ساعات: ساعة عبر النهر
بواسطة معدية قديمة، وساعتين على متن قطار صغير قذر. وقبيل وصولنا لفحتنا
رائحة المرض والموت، يخالطها الدخان المنبعث من ألوف مواقد الطبخ. وكانت
غابة المطر الكثيفة التي تحاصر المخيم لا تدع أحداً يفلت من حرارته
ورعبه.
أول ما كان يقع عليه نظري كل يوم وأنا أعبر المخيم أكياس الجثث التي
يجمعها فريق الصليب الأحمر منذ الصباح الباكر. انها حصيلة الموت في
الليلة السابقة.
كنت مشرفة على "القطار"، ذلك الهيكل القديم الذي يجر عربات مصممة أصلاً
لنقل المواشي، وقد ربط بعضها ببعض بشريط معدني صدئ. وكان أكثر من 100
لاجئ قضوا اختناقاً على متنه في رحلة مكتظة قبل أسابيع، ومنذ ذلك الوقت
أخذ موظفون تابعون لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يواكبون
الرحلات.
كانت نقطة التحميل في الطرف البعيد للمخيم، ولا مفر من رؤية البؤس
والشقاء على وجوه اللاجئين المحتشدين في أكواخ موقتة يعانون الجوع
والمرض.
بدأنا على الفور تحضير اللاجئين الذين سنخليهم في ذلك اليوم. وكان من
الصعب ابعاد الناس عن القطار. فالخوف ينتاب الجميع، وكلهم يريدون مغادرة
الغابة. وكم من واحد ركع أمام المشرفين متوسلاً المعقد الأخير.
ماذا تفعل أمام لاجئ ناحل رق جلده وتمدد عبر عظامه كالورق، ونز الدم
والقيح من جروح شطبت جسده وهو هارب في الغابة؟ كانت نحالة الأجسام السمة
التي تميز الجميع. وكانت مهمتي رفع كبار السن رجالاً ونساء إلى العربات.
وقد راعتني خفة أوزانهم، حتى أنني كنت أقوم بهذه المهمة بيد واحدة.
أخلينا نحو 17 ألف لاجئ خلال وجودي هناك. توفي طفل في القطار، وولد
اثنان. مخيم بيارو استعادته غابة المطر. حتى القبور اختفت، ولم يبق أثر
للمأساة الانسانية التي شهدها هذا المكان.
المصدر : مجلة
البيئة والتنمية العدد (45) |