|
كل هذه الإصابات .. وما زالوا يشككون..!
بقلم د. كاظم المقدادي
طبيب عراقي مقيم في السويد وباحث في الأضرار الصحية
والبيئية لليورانيوم المنضب
منذ أن استخدمت وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون ،
ذخيرة اليورانيوم المنضب Depleted Uranium،
وجربتها لأول مرة ميدانيا، في حرب الخليج الثانية عام 1991، وفي ما بعد
في الحرب ضد يوغسلافيا، وفي أفغانستان، تسبّب استخدامها في وقوع كارثة
بيئية وصحية، من أبرز معالمها: انتشار أمراض غريبة سرطانية، وتشوهات
ولادية، واعتلالات عصبية وعضلية، وتلف لجهاز المناعة والكبد والكليتين،
غير قابل للعلاج، وغيرها. بينما واصل خبراء البنتاغون نفي تأثير هذا
الاستخدام في ظهور تلك الأمراض، وعملوا على تلفيق استنتاجات علمية تنفي
اضرار ذخيرة اليورانيوم المنضب على الإنسان والبيئة. وذلك بهدف التنصل من
المسؤولية التي يعتبرها حقوقيون دوليون جريمة حرب دولية، يترتب عليها، من
بين ما يترتب قانونياً، دفع تعويضات كبيرة، تصل إلى نحو 600 مليار دولار،
كنفقات لتعويض الضحايا، ولمعالجة المصابين ورعايتهم، وهم أكثر من ربع
مليون، ولتنظيف المناطق التي ضربت بالسلاح المذكور، ولا يزال الركام
المشع ينتشر فيها.
في تصدينا لمزاعم خبراء البنتاغون أوردنا في أكثر من
دراسة ومقالة، أدلة علمية كثيرة. ولعل أحدث وأهم هذه الأدلة، هو ما توصل
إليه الفريق العلمي، الذي أوفده إلى العراق المركز الطبي لأبحاث
اليورانيوم Uranium Medical Research Centre
وهو مركز علمي دولي مستقل، وعلى رأسه العالم الأميركي أساف دوراكوفيتش،
والعالم الألماني سيغفرت هورست غونتر، والعالم العراقي محمد الشيخلي،
وثلاثتهم متخصصون بالطب الذري والإشعاع، والذي أجرى، خلال الفترة من 27/9
لغاية 10/10/2003، دراسة ميدانية إشعاعية علمية، هي الأولى من نوعها في
المنطقة، شملت مناطق واسعة من جنوب العراق ووسطه.
وقد أكدت النتائج للدراسة، التي نشرت تفاصيلها على
موقع UMRC (www.umrc.net)
على الإنترنت، وجود تلوث إشعاعي واسع وخطير. وأفاد البروفيسور
دوراكوفيتش، بأن مستويات التلوث الإشعاعي تتراوح ما بين مئات وآلاف
المرات عن الحد المسموح به، وعزا ذلك إلى استخدام القوات الأميركية
والبريطانية كميات من ذخيرة اليورانيوم المنضب أكثر بكثير مما استخدمته
في حرب عام 1991. وأكد البروفيسور الشيخلي، في تقرير علمي، نشره في
«البيئة والتنمية» ديسمبر (كانون الأول) 2003، أن الدراسة أظهرت مستويات
إشعاع كارثية، موضحاً بأن الاستطلاعات الميدانية والقياسات التي أجراها
الفريق العلمي في العراق أظهرت ما يلي:
ـ ارتفاع مستوى التلوث الإشعاعي في مناطق شاسعة من
أجواء بغداد، ومناطق جنوب العراق، بزيادة هذا المستوى في الهواء في بعض
المناطق على 10 اضعاف المستوى الطبيعي. والغريب ان القراءات الإشعاعية
كانت عالية في الهواء أكثر من التربة، ولعل هذا مؤشر على ان الدقائق
المشعة التي يحملها الغبار والهواء من النوع الذي يسهل استنشاقه وترسبه
وبقاؤه في حويصلات الرئة.
-
يزيد مستوى الإشعاع في مناطق اختراق إطلاقات
اليورانيوم للمدرعات العراقية على 30 الف مرة عن الحد الطبيعي، ويشكل
عامل خطورة كبيرا على من يقترب من الدبابة أو يمس اجزاءها والغبار
المتراكم عليها.
-
انتشار رقعة التعرّض الإشعاعي والسمي لمخلفات
اليورانيوم، لا سيما بين آلاف من العراقيين الذين عمدوا إلى رفع محركات
وأدوات الآليات المصابة والمحترقة لبيعها أو الاستفادة منها. وقد وجد
الفريق ان جميع الآليات والدروع التي فحصها رُفعت محركاتها واجزاؤها
السليمة بعد تعرضها للقصف والاحتراق. ووجد مستوى الإشعاع لدى أحد هؤلاء
الأشخاص يزيد 1000 مرة على المستوى الطبيعي.
-
وطاول التلوث اجساد الجنود القتلى داخل الدبابات،
الذين دفنوا قربها، فوصل مستوى الإشعاع في ملابس احد الجنود القتلى الى
2000 مرة أكثر من المستوى الطبيعي.
-
ظهور حالات من آلام المفاصل والرعاف والتهابات عصبية
وآلام في الظهر واضطرابات في النظر وحرقة في البول، لدى السكان
القريبين من موقع الدروع المصابة، وهي اعراض تشابه اعراض التعرض
الإشعاعي.
-
عمدت قوات الاحتلال إلى رفع عدد كبير من الدبابات
والآليات المصابة وإخلائها الى مناطق بعيدة، وقشط التربة تحتها
واستبدالها بتربة جديدة بعد إلقاء التربة الملوثة في مناطق نائية. ولعل
هذا الإجراء، نابع ـ بحسب البروفيسور الشيخلي ـ من معرفة هذه القوات
بخطورة التلوث الإشعاعي والسمّي الذي تسببه مخلفات اليورانيوم، لكن من
دون أن يحذّروا الناس من مغبّة الاقتراب منها، كما ان عملية إخلاء
الآليات والتربة الملوثة من دون معالجة موقعية هي عملية توسيع لرقعة
التلوث، ولا تختلف عن عمليات دفن الحاويات والنفايات الملوثة في ارض
الغير.
-
ونظراً لأن معظم الدروع المضروبة نشرت في الحقول وتحت
الأشجار وقرب مسارب المياه وبين البيوت السكنية، يمكننا، تصور حجم
الكارثة البيئية والصحية التي يتعرض لها الشعب العراقي الآن، وعلى مدى
أجيال مقبلة، وفقاً لما قاله الشيخلي، الذي تساءل: إذا كان استخدام بليون
قذيفة (320 طنا) من اليورانيوم المنضب، في حرب الخليج الثانية، سبّب
تدميراً لبيئة جنوب العراق ومواقع العمليات في الكويت، تأثر بموجبه 100
ألف جندي حليف، ومئات الآلاف من العراقيين، فكيف ستكون مضاعفات استخدام
ضعفي هذه الكمية من الأسلحة في الحرب الاخيرة؟ وما هي آثارها على صحة
السكان وسلامة البيئة في العراق؟
الى هذا، اصدر المركز الطبي لبحوث اليورانيوم في 6
فبراير (شباط) الجاري، تحذيراً بشأن مخاطر التلوث الإشعاعي القائمة، التي
تهدد البشر في العراق، مبنياً على نتائج التحاليل المختبرية التي أجريت
لاثنين من منتسبي المركز، عملا ضمن الفريق العلمي لتقصي التلوث الحاصل في
العراق عقب الحرب، وبين وجود نسبة عالية من اليورانيوم لديهما. حدث هذا
بعد 5 اشهر من توقف اعمال القصف الجوي لعملية «تحرير العراق»، وقد تم
الكشف عن اليورانيوم في عينات للبول اخذت منهما، وفحصت في احد المختبرات
الألمانية. واعتبر المركز استنشاق المصابين لجزيئات الغبار المتناهية
الصغر المشبعة بأوكسيد اليورانيوم المنقول بالهواء، وكذلك لجزيئات صلبة
من اليورانيوم أثناء وجودهما لأسبوعين فقط هناك، هي الطريقة التي ادت الى
انتقال اليورانيوم لجسديهما.
ولفت التحذير الى ان تأثر فريق المركز بالتلوث
الإشعاعي، الذي حدث خلال جولته القصيرة في أرجاء العراق، وبعد عدة أشهر
من انتهاء المعارك، هو مؤشر جدي على المخاطر المحدقة بالمدنيين وغيرهم من
الموجودين هناك، وبضمنهم القوات العسكرية الاجنبية.
وقد بينت التحاليل المختبرية الأولية التي أجراها
المركز على عينات من البول، أخذت من المدنيين، وعينات من التربة والماء
والهواء، ومن جثث القتلى، وجود تلوث إشعاعي واسع وكبير في مناطق عديدة من
العراق!
فما هو رد المشككين والزاعمين بـ «عدم» خطورة
اليورانيوم المنضب؟ وهل ستنفذ سلطة الاحتلال أخيراً ما تمليه عليها
اتفاقات جنيف من إجراءات مطلوبة وعاجلة لإنقاذ صحة وحياة العراقيين؟
ونأمل أن يتغير موقف بعض الدول السلبي، بل غير
المكترث بالتلوث الإشعاعي الماثل، متجاهلين تداعياته الخطيرة، التي تهدد
بيئة وصحة شعوب الدول المجاورة للعراق، والتي نبه إليها العالم الأميركي
دوراكوفيتش، قبل عدة سنوات، بقوله: «لا توجد شرطة حدود لليورانيوم
المنضب، انه ينتقل بحرية من بلد إلى آخر بفعل قدرة الرياح على حمل
جزيئاته المشعة، وان أي مكان في الخليج أثرت فيه الرياح أو العواصف أو
ترسبات الأتربة يحتمل أن يكون ملوثا، وأن يكون سكانه قد استقطبوا في
اجسادهم تراكيز مرتفعة من اليورانيوم مقارنة بسكان المناطق الأخرى، التي
لم تتعرض لفعل الرياح والأتربة وتراكيز اليورانيوم».
واضاف:«حتى يصبح اليورانيوم بلا إشعاع، عليك أن تنتظر
4.5 مليار سنة»، وقد أكد تحذيره العثور على غبار اليورانيوم في كل من
هنغاريا واليونان، وغيرهما، عقب ضرب يوغسلافيا بسلاح اليورانيوم،
والدراسات التي قام بها برنامج الأمم المتحدة للبيئة في البوسنة وكوسوفو،
وأثبتت بقاء تلوث التربة والهواء والمياه باليورانيوم المنضب حتى بعد
مرور 7 سنوات على استخدامه هناك، وألقت الضوء على مخاطر تسربه الى مصادر
مياه الشرب، وإمكانية أن تؤدي سميته ودرجة إشعاعه الضعيفة الى الاضرار
بالكلى والكبد والرئتين، وتسبب أنواعاً من السرطان والتشوهات الولادية
وغيرها! |