|
عالم ظمآن
بقلم:
نديم نحاس
الكاتب
الصحفي في جريدة الشرق الأوسط اللندنية
يبدو انه مع كل التقدم
العلمي والتكنولوجي للانسان وغزوه للكواكب الاخرى قد فشل حتى الآن، في
اصلاح هذا الكوكب العليل الذي يسمونه الارض، والمشكلة التي يواجهها هي
انه اذا تركت الامور كما هي عليه الآن، فإن العواقب ستكون وخيمة جدا، ولا
احد يدري ما ستؤول اليه الاوضاع، واولها تحول كوكبنا هذا، المبتلى بآلاف
الامراض والعلل، الى كوكب مشلول خلال عقود لا قرون، بانتظار المصير
الاخير الذي وضعت له حتى الآن سيناريوات تهدده.
ان معظم بلدان العالم،
لا سيما في افريقيا وآسيا، تواجه نقصا خطيرا في المياه بعدما استنفدت
جميع المياه الجوفية الكامنة في اعماق ارضها، مما ارغم سكان مدن وقرى
بحالها على الهجرة وترك منازلهم وحقولهم لا سيما في الهند وبنغلادش.
حتى عالمنا العربي يشكو
بمرارة من ندرة المياه، كالاردن والضفة الغربية واليمن الذي يتوقع انتقال
عاصمته صنعاء في يوم من الايام الى مكان آخر بعدما استنفدت مياهها
الجوفية التي يهبط مستواها كل عام نحو ستة امتار، وذلك يعني نضوبها تماما
في عام 2010 استنادا الى احصاءات البنك الدولي.
كويتا عاصمة بلوشستان
الباكستانية مثال آخر، فقد صممت اصلا لاستيعاب 50 الفا من البشر، لكن
يسكنها حاليا مليون يعتمدون جميعهم على الآبار الارتوازية التي يصل عددها
الى الفين، وهؤلاء شرعوا في امتصاص ما تبقى من مياهها الجوفية التي لا
يمكن تعويضها. وهي شأنها شأن صنعاء ينبغي على سكانها شد الرحال في اقل من
عقد من الزمن الى مكان آخر، والا فان العطش هو الحاكم الناهي.
ان هذا النزوح الذي
يصاحب ندرة المياه وجفافها وصل الى ايران طبعا. فقد تناقلت الانباء قبل
عام تقريبا، كمثال على ذلك، جفاف بحيرتين في جنوب شرق البلاد، ونفوق آلاف
الاطنان من الاسماك التي تشكل ايضا مصدرا غذائيا للسكان المحليين.
من جهتها تشير احصاءات
الامم المتحدة الى ان عدد سكان العالم سيزدادون بنحو ثلاثة مليارات في
منتصف هذا القرن، وان اغلبية هؤلاء سيعيشون في بلدان نضبت فيها المياه،
او توشك ان تنضب، مما يعني مرة اخرى الهجرة او النزوح الى مناطق اخرى ما
يزيد المشكلة تعقيدا. وتقدر الامم المتحدة ان عشرات الملايين سيهجرون
قراهم في شمال الصين وغربها الى مناطق ما زالت صالحة نسبيا. وينطبق الامر
ذاته على المكسيك التي تشهد يوميا تسلل المئات عبر الحدود الطويلة مع
الولايات المتحدة التي تعاني اصلا ولاياتها الجنوبية من العطش على شكل
نقص خطير في المياه زاد من رقعة التصحر.
والمشكلة التي يواجهها
المتخصصون في قضايا المياه، ان الحل الوحيد امام التفجر السكاني هو
اللجوء الى محطات تحلية مياه البحر، الى جانب طبعا الاستعانة بالوسائل
الاخرى، مثل ترشيد استخدام المياه النقية واعادة تدويرها. لكن تحلية مياه
البحر عملية مكلفة جدا، ولا تقوى عليها سوى القليل من الدول الغنية، رغم
زعم بعض الشركات ومنها دوبون انها استنبطت نوعا من الاغشية البسيطة
القادرة على ترشيح مياه البحر وتنقيتها من دون المرور بعمليات معقدة
تحليلية وكهربائية، ثم ان العديد من الدول الظمأى لا تقع على البحار،
وبالتالي لا يمكنها الاستفادة من مرافق التحلية هذه.
امر آخر وهو ان الملح
والنفايات المتخلفة عن عمليات التحلية قد تتراكم مستقبلا اذا عممت هذه
التقنية على نطاق العالم كله بحيث يصعب التخلص منها، وهذا يعني زيادة
تلوث البيئة التي هي اصلا تعاني الامرين من هذه المشكلة المستعصية.
المهم ان الخبراء، سواء
في الامم المتحدة، او في القطاعات الحكومية والخاصة لا يعلمون ماذا
يفعلون ازاء هذا الظمأ العالمي الذي بات يكشر عن انيابه والذي سيؤدي
بدوره الى أزمة زراعية واقتصادية ايضا، واضطرابات وتغيرات ديموغرافية مع
حركة النزوح والهجرة الجماعية بحثا عن الماء. اذ لم يستطع كل هذا التطور
الهائل الذي بلغه الانسان من حل ولو قليل من المعضلات البيئية الكثيرة
الاخرى التي تعصف في وجهه الآن والتي سنتحدث عنها لاحقا، لكن اولاها
الماء طبعا، الذي هو كل شيء لاستمرار الحياة. |