البيئة بين المحلي والعالمي

بقلم: نجيب صعب

 

صفة "الدولي" أصبحت تعطى لكثير من المؤتمرات والمناسبات البيئية التي تُنظَّم في منطقتنا. ولا شك أن الانتماء إلى المجتمع الدولي جيد، لأنه من المفيد دائماً تبادل الخبرات والاستفادة من تجارب الآخرين، خاصة في قضايا البيئة الكبرى التي لا يمكن حلها بغير التعاون بين الدول.

 

لكننا نلاحظ شيئاً من الاستسهال في إسباغ صفة "دولي" على أي مناسبة، واستخدام هذه الصفة كذريعة لتجنب الخوض في المسائل المحلية المهمة. كما أنه لا يكفي أن يتكلم المشاركون بلغة انكليزية، معظمهم لا يتقنها، ليكون الاجتماع "دولياً". ومن الطرائف ان إحدى الهيئات في المنطقة دعت إلى مؤتمر لبحث قضية المياه، كان بين حضوره مدير التسويق في شركة أوروبية جاء ليبيع منتجات شركته. فجاء رئيس الهيئة الداعية ليعلن معتزاً: "لقد انطلقنا الى العالمية".

 

مؤتمر آخر تم نعته بالدولي لمجرد تقديم بعض الأوراق فيه من مجموعة أشخاص مغمورين من جنسيات متنوعة، ينتمون إلى بضع جامعات مغمورة، لم يسبق لهم نشر أي بحث في أي مجلة علمية معروفة، وحضره بعض المتقاعدين "الدوليين" الذين لبّوا دعوة الاستضافة بهدف السياحة لا الاضافة إلى نقاشات العلم والمعرفة.

 

والمفارقة أنه في حين تبحث هذه اللقاءات قضايا تتراوح بين تلوث المياه في الصين والتراب المسموم في المكسيك، نادراً ما تناقش الشؤون المحلية الملحة، كأن تقدَّم إليها ورقة علمية عن قياسات تلوث المياه في المدينة التي يعقد فيها الاجتماع، أو تقرير عن الأثر البيئي لمشروع سياحي ساحلي دُعي المؤتمرون إلى العشاء في أحد مرابعه. واذا ما قرر أحدهم تقديم تقرير عن شأن محلي، فغالباً ما يخلط العلم بالسياسة والعلاقات العامة، ليشيد بالجهود الجبارة التي جعلت من الدنيا جنة تنعم بألف خير، فلا الهواء تلوث ولا المياه استُنفدت ولا الشواطئ دُمّرت.

 

صديق عربي قدّم إلى مؤتمر في تونس ورقة عن أثر أحياء السكن العشوائية على البيئة، حفلتْ بالأرقام والصور من الهند وباكستان وأميركا اللاتينية. فسألته، ما دام يقدم بحثاً عربياً في مؤتمر عربي، لماذا لا يعطي نماذج للبيوت العشوائية وأحياء التنك على أطراف عاصمته الغنية؟ أجابني: هل تريدني أن أعود إلى بيتي وجامعتي أم إلى السجن؟

 

على الباحث أن يتمتع بالجرأة العلمية. وتجربتنا في "البيئة والتنمية" أن كلام الحق لم يعد يوصل أحداً إلى السجن. فكلامنا الصادق والصريح في هذه المجلة منحنا الكثير من الاحترام والعديد من الاصدقاء، والقليل من الأعداء، الذين لم نكن لنسعى إلى صداقتهم في أي حال.

 

في مقابل هذا الانبهار غير المبرر بكل ما هو دولي، برزت في مجتمعاتنا نزعة مَرَضية منغلقة، أخذت تتخذ من تملُّص الولايات المتحدة الأميركية من التزاماتها البيئية الدولية حجة لترويج الانفلات من القيود البيئية على المستوى المحلي. فهذا وزير تخطيط يدعو إلى رفع كل الشروط البيئية عن الصناعة المحلية، لأن أميركا انسحبت من اتفاقية كيوتو لتغير المناخ، وهذا مدير هيئة بيئية وطنية يعارض الكلام عن التحول إلى الوقود النظيف، اعتقاداً منه أن هذا يهدد مصادر الثروة العربية.

 

مسؤول أميركي سخر من هذه المواقف، وقال لي في اجتماع لمجلس ادارة منظمة دولية: الولايات المتحدة، وحتى ادارة الرئيس جورج بوش المعروفة بضعف التزاماتها البيئية الدولية، لا تستطيع أبداً القبول بأية اجراءات تسمح بحدوث تلويث بيئي داخل الولايات المتحدة نفسها يؤثر على الأميركيين. فالتساهل ينحصر في التفلُّت من اتفاقات دولية تفرض قيوداً على المستهلك الأميركي، بينما أثرها البيئي المباشر يقع خارج حدود أميركا. واضاف المسؤول: فيما يحاول بعض العالم الثالث تقليد أميركا، يخطئ في التفلُّت من قيود بيئية تحافظ على الموارد وسلامة الهواء والتراب والماء داخل حدوده.

 

واذا كنا نعتبر أن مضاعفات الخروج الأميركي على الاتفاقات البيئية الدولية سيصيب الولايات المتحدة نفسها في النتيجة، ولن تبقى آثاره خارج الحدود، نوافق المسؤول الأميركي في أننا نواجه نوعاً مختلفاً من الفوضى البيئية. ففي حين تقام المراكز التجارية داخل معظم المدن العربية بلا تخطيط سليم ولا دراسات للأثر البيئي، باسم التنمية ودعم الاقتصاد، تفرض القوانين الأميركية على المشاريع شروطاً صارمة، أقلها تحميل المستثمرين كلفة تعديل شبكات السير حولها، لمنع الازدحام والتلوث. واذا كانت أميركا تحاول التملص من الالتزام بانبعاثات الغازات المسببة لارتفاع درجة الحرارة العالمية، فمصانعنا وسياراتنا تبث السموم في هواء السكان وترابهم ومائهم، وهي سموم يمكن رؤيتها بالعين المجردة وتنشق روائحها الكريهة وتذوّق طعمها المرّ، قبل انتظار آثار تغيُّر المناخ العالمي. لن نكون عالميين ما دمنا عاجزين عن حل مشاكلنا المحلية.