التحدي البيئي

بقلم: حسين شبكشي

كاتب صحفي سعودي

 

اعلن مؤخرا في السعودية عن اطلاق جائزة عربية مقدمة من الدولة للادارة البيئية. وتأتي الجائزة استجابة لواقع بيئي أليم، ويقع الخلل في أنه يوجد العديد من المخالفات البيئية التي نعاني منها، وان مشكلة مثل الوادي المتصدع كانت احدى افرازات «التسيب» البيئي الخطير في منطقة جازان، مما أدى الى انتشار ظاهرة المستنقعات وبالتالي انتشار البعوض بكميات كبيرة ومن ثم اصابة الأغنام وبالتالي البشر.

 

ونفس الشيء يمكن أن يقال على مجاري مدينة جدة وما يحدث فيها من أمراض مختلفة لساكنيها منذ فترة طويلة وأصبحت تأخذ الشكل الوبائي، علماً بأن الخطر الذي تسببه مجاري جدة لا يقتصر على صحة الإنسان ولكن يشمل أيضاًُ سلامة المباني، الذي يبقى المسؤول عنه من دون عقاب للآن!

 

وما ذكر سابقاً ممكن أن يقال على النفايات الكيماوية والنفطية التي تلقى في البحار، مما ادى الى تلوث بيئي كبير هدد أسماك الخليج منذ سنوات ويتكرر دوما على سواحل البحر الأحمر. ويجرنا هذا الحديث للتأخير الذي حدث في اعتماد أرامكو لسياسة وانتاج البنزين الخالي من الرصاص مما كانت نتيجته سنوات طويلة من تلوث هواء البلاد، بمواد خطيرة تؤثر في النبات ورئات البشر. ولا يزال اسلوب الخلاص من النفايات بصورة عامة والكيماوية والطبية بصورة خاصة يمثل خطورة غير عادية، فالحرق المتبع الآن يضاعف من التلوث الموجود ولا يساعد على حل المشكلة بل يضاعفها، اضافة الى أن المستشفيات والمنشآت الصحية لا تلتزم بالتعاون مع الشركات المتعهدة للخلاص من النفايات الطبية ولا بد من ايجاد طريقة جبرية لإلزام المستشفى بذلك.

إلا أن الطموح الى أن تكون لدينا سياسة بيئية متكاملة تترابط معها وتنفذها كافة قطاعات الدولة فحجم الفواتير التي تتكبدها وزارات الصحة والمواصلات والزراعة والبلديات والأشغال العامة والموانئ نظير الاخفاق البيئي يعتبر هائلا. وبقليل من التنسيق والكثير من العمل الجدي نستطيع تكوين منظومة بيئية متطورة توفر علينا الكثير من المال والجهد والصحة وتعيد الكثير من الأمور الى نصابها.

 

ليست التنمية الصحيحة ضد البيئة، فالأساس تأمين نوعية حياة كريمة للناس، فيها الاستمرارية المتوازنة مع محدوديات الطبيعة والخدمات الأساسية، من مياه نظيفة وشبكات صرف وكهرباء ومواصلات حديثة، اضافة الى خلق فرص اقتصادية، كلها تساعد في تحسين الوضع البيئي، إذ أن الاستقرار الاقتصادي شرط اساسي للاستقرار البيئي فالمجتمع الذي يتمتع بالاكتفاء والواثق بنفسه هو وحده المؤهل لحمل لواء رعاية البيئة والتخطيط للمستقبل. المطلوب اعلان حالة طوارئ بيئية توقف فوراً كل تخريب بيئي وتضع سياسة بيئية صريحة وبرنامج عمل محدداً بجدول زمني. والادارة البيئية المطلوبة ليست ملحقاُ يضاف الى البرامج الإنمائية، بل هي جزء اساسي منها. لقد آن الاوان للانتقال من طرح الشعارات البيئية في المناسبات، الى تعيين أهداف محددة لمعالجة مسائل مثل مصادر تلوث الهواء والماء والفوضى في وجهة استعمال الأراضي وتنظيم الصناعة.

 

لا بد من تشجيع البحث العلمي في مجالات البيئة وإنشاء مؤسسة وطنية علمية للبيئة غايتها اجراء البحوث والدراسات المختصة ووضع المعايير (ألا يمكن اضافة هذا الدور لمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتكنولوجيا؟). هكذا تصبح السياسات البيئية الوطنية مرتكزة على معلومات موثوقة، بدل أن تبقى ردات فعل وإسعافات أولية لا يتجاوز مفعولها في أحسن الحالات، تأجيل المشكلة أو نقلها من مكان الى آخر. والتدابير التنفيذية للسياسة البيئية يجب أن تتضمن فرض العقوبات وردع المخالفين. فمن الضروري أن تكون الحوافز جزءاً أساسياً في أية سياسة عصرية، بحيث يتم تشجيع الأفراد والمؤسسات على اعتماد اجراءات تحمي البيئة، باعطائهم الدعم المادي والإعفاءات المالية، الى جانب فرض غرامات على الملوثين. علينا جميعا، مواطنين وقادة سياسة وفكر وصناعة وتجارة، العمل معاً من أجل ضمان بيئة معافاة للأجيال المقبلة.