مساحات كبيرة من الغابات تختفي كل عام

علماء يتابعون مصير 3 ملايين شجرة في محمية بيولوجية في قناة بنما

 

بنما:"نيويورك تايمز" في عام 1979 توصل عالما بيئة في جامعات في الغرب الأوسط في الولايات المتحدة، يعرفان بعضهما البعض عبر الأبحاث الى فكرة جريئة. وأرادا الحصول على حقوق شاملة لإجراء الأبحاث من قمة جزيرة بارو كولورادو المخصصة للأبحاث التي أصبحت واحدة من أكثر الأماكن دراسة في العالم.  والجزيرة، وهي عبارة عن محمية بيولوجية في قناة بنما، يديرها معهد الأبحاث الاستوائية التابع لمعهد سميثونيان. ولذا قرر العالمان روبين فوستر الذي كان في جامعة شيكاغو انذاك، وستيفن هابل الذي كان في جامعة ايوا، الاتصال بمدير المعهد ايرا ربونوف، واقترحا اجراء مسح شامل وقياس جميع الاشجار في الجزيرة كل خمس سنوات لمعرفة التغييرات واجراء تجارب على النظريات المتعارضة حول تنوع الغابات الاستوائية.

 

وترجع جراءة الفكرة الى انهما طلبا منع جميع العلماء من اجراء ابحاث في الجزيرة، لعدم دهس البذور الصغيرة.  ويقول الدكتور روبينوف «لم أكن سعيدا بهذا الاقتراح»، ولكنه بعد أن استمع لوجهة النظر قبل. وحددا مساحة تصل الى 124 فدانا اصبحت في العام التالي، اول مساحة في سلسلة منتشرة في العالم يتابع فيها العلماء مصير 3 ملايين شجرة. ويدير هذه الشبكة مركز علوم الغابات الاستوائية، الذي اسسه المعهد في عام 1990، الذي يشرف على 17 موقعا ـ يطلق عليها الآن «مراصد أرضية» في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية مع توقع المزيد في السنوات القادمة.

 

وواحدة من أعظم نتائج الأبحاث في تلك المناطق، هي السماح للعلماء بقياس، بدلا من تخمين، التنوعات الجغرافية وتقلبات السكان في الغابات الاستوائية. فعلى سبيل المثال، راقب ريتشارد كونديت المدير العلمي للمركز تأثير الجفاف في موقع بارو كولوراد، على نوعين من الاشجار، منذ وصوله كباحث بعدما حصل على الدكتوراه عام 1988. ووجد الدكتور كونديت ان نوعي الاشجار، المنتشرة على الساحل الغربي لأميركا الجنوبية قد تدهورت «أسرع مما يتخيل أي شخص».  وأوضح «نعرف ذلك لأن لدينا معلومات تفصيلية دقيقة. ومراقبتنا المنطقة لمدة 25 سنة متواصلة، علمنا خلالها أن الغابات تتغير ويمكن أن تتغير بسرعة».

وقد قدمت المعلومات التي تم الحصول عليها من تلك المناطق ثروة من التحاليل. وقد تمكن العلماء من العمل عبر الحدود والمناطق، من مشاهدة صورة أكبر لما يحدث. كما أدت الأبحاث الى نماذج نظرية جديدة. ويوضح كتاب هابل «النظرية المحايدة الموحدة للتنوع الحيوي والجغرافيا الحيوية»، الذي نشر عام 2001، ان الطبيعة دليل الحيادية»، وهي نظرية مثيرة للجدل، تشير الى أن الفرصة هي التي تقرر بقاء المخلوقات أكثر من التكيف الناجح مع إطار بيئي.

 

وكان دكتور فوستر، الذي يعمل الآن في متحف فيلد للتاريخ الطبيعي والدكتور هابل، الذي يعمل في جامعة جورجيا، يرغبان في مساحة اكبر لمتابعة ما يطلق عليه «هجرة الأشجار» أي انتقال البذور عن طريق الرياح او الحيوانات، ولمتابعة التنوع الكبير الموجود في كل الغابات الاستوائية.  وقد أتاح لهم المختبر المفتوح دراسة 300 نوع من الاشجار و300 الف شجرة، من بدايتها كنبتة صغيرة لا يزيد طولها عن ثلاث بوصات الى اشجار عملاقة. وقال الدكتور ربونيوف ان «البرنامج استقر وتحول الى مركز أبحاث عالمي. ويريد الجميع زيارة تلك المناطق بعد الانتهاء من مسحها.

 

وتجدر الإشارة إلى أن أبحاثا بهذا المستوى والحجم كانت مستحيلة في الأيام الأولى. ويوضح دكتور هابل الأمر بقوله «لم تكن لدينا الامكانيات الكومبيوترية. في الأيام الأولى كنا نستخدم بطاقات تشغيل على كومبيوتر رئيسي لشركة اي.بي.ام».  وقد أتاحت التقنيات الجديدة الإسراع وتبسيط وتوسيع حجم العمل في المنطقة الخاضعة للبحث. وأصبح في إمكان الباحثين اكتشاف طريقهم في الغابة عبر أجهزة تحديد المواقع العالمية. وادخال معلومات عبر أجهزة «المساعدة الرقمي الشخصية». ويستخدم الباحثون الآن ابراجا تعلو فوق الغابات، وتصويرا جويا والاقمار الصناعية.

 

وبالرغم من كل ذلك، فلا يزال العلماء يتجولون في الحقول لتسجيل الأرقام. وفي الاحصاء الذي يجري حاليا حول النبتات في بارو كولورادو، يتوجه الباحثون الشباب في مجموعات، وعندما يصلون الى منطقة البحث، يعمل كل واحد منهم وحده، ويبدأ في تسجيل عدد النبتات. وتجدر الاشارة الى أن العمل مكثف وصعب، حيث يضطر الباحثون الى الانحناء على ركبهم عندما يحصون النبتات. الا ان اكبر الأخطار التي يواجهها الباحثون هي لسعة الحشرة المعروفة باسم «شيغر». وفي منطقة أخرى تحيط بخط الاستواء مثل الحزام، يواجه العلماء صعوبات وأخطارا جمة. ففي أعماق الغابة يمكن ان يتعرض الباحثون الى امراض استوائية وتسمم ولسع الحشرات ولدغ الكوبرا التي تنفث السموم والمهربين والمتمردين المسلحين. وقد حصل كورنيل ايونغو الذي يتابع منطقة ايتوري فورست التي تصل مساحتها الى مائة فدان وتأسست في عام 1994 في الكونغو، على جائزة غولدمان للبيئة في العام الماضي، لإخفائه معلومات حول 600 نوع من الأشجار و380 الف شجرة خلال الحرب الأهلية في الكونغو. وقد اختبأ في الغابة لمدة ثلاثة اشهر بدلا من التخلي عن منصبه.

 

جدير بالذكر أن العديد من الغابات الاستوائية المطيرة في العالم والغابات الاستوائية الجافة، لم تجر دراستها من قبل، بالرغم من ان نصف النباتات والحيوانات في العالم تعيش فيها. ففي حوض الامازون، ربما اكثر المناطق تنوعا في العالم، يمكن العثور في فدان على ما يتراوح بين 40 إلى 300 نوع من الأشجار والمخلوقات بالمقارنة بما يتراوح بين 4 الى 25 في غابات شمال اميركا. وتراقب مواقع مركز علوم الغابات الاستوائية، ما يقرب من 6 آلاف نوع، أو 10 في المائة فقط من كل انواع الاشجار الاستوائية.

ويقدر العلماء ان الغابات الاستوائية تغطي ما يقرب 6 في المائة من مساحة الكرة الأرضية فقط، وهو نصف ما كانت عليه. ولاحظت جمعية المحمية البيولوجية الاستوائية تغييرات لم يسبق لها مثيل، حيث تختفي 1.2 في المائة من مساحة الغابات في كل عام.

 

والمعروف ان الغابات تلعب دورا حيويا في دورة الكربون. وكما يعرف تلاميذ المدارس الابتدائية فإن الاشجار هي عبارة عن مخزون الكربون، حيث تمتص ثاني أوكسيد الكربون وتحرر الاوكسجين.  ومسح وقياس الأشجار على مدى وقت طويل، وعبر قارات سيساعد العلماء على فهم أوضح لكيفية تأثير التغييرات على الغابات وما الذي يمكن عملها.  وأوضح الدكتور هابل «نتوقع تسارع التغييرات، فالمعلومات التي حصلنا عليها لا يمكن تعويضها. نريد المزيد منها». وهو ما يقره فرانك لفنسون، الذي يملك شركة للألياف البصرية «هل نحن في عالم يتعرض لأزمة؟ حدسي يؤكد ذلك، الا أن دماغي العلمي يقول لي أحصل على المعلومات».

 

وقد تعهد بتقديم 10 ملايين دولار، املا في زيادتها 4 اضعاف، لتوسيع البرنامج ومنح مركز الغابات الاستوائية المزيد من الاستقرار على المدى الطويل. كما تتطوع دكتور لفنسون مستفيدا من خبرته الهندسية للعمل مع علماء الاحياء في معهد سميثسونيان. وتوجد العديد من مثل هذه المشاريع في مركز علوم الغابات الاستوائية. ومن بين المشاريع المطروحة زيادة عدد المناطق المخصصة لمثل هذه الابحاث بمسح 25 في المائة من الغابات الاستوائية بما في ذلك اليبئات المميزة مثل مدغشقر. ويشير الدكتور روبنكوف من معهد الابحاث الاستوائية «لم نعثر على اجابة حول الاسئلة الاصلية حتى الآن. لقد تحسنا كثيرا. ولكن لا تزال هناك العديد من الاشياء التي لا نعرفها».

 

التاريخ : يوليو 2006