|
المسؤوليـة الدوليــة للعــراق عن
الدمـار البيئــي
بقلم : د. بدرية عبدالله العوضي
الخبيرة في شؤون القوانين والمعاهدات
البيئية
تنقسم
هذه الدراسة إلى ثلاثة أجزاء يعالج الجزء الأول منها مظاهر الدمار
البيئي في دولة الكويت ومنطقة الخليج ، أما الثاني فيعالج القواعد
العامة للمسؤولية عن الدمار البيئي في إطار المواثيق والإعلانات
العالمية البيئية وإتفاقيات جنيف لقوانين الحرب ، أما الجزء الثالث فقد
تم تخصيصه لقرارات مجلس الأمن الدولي بشأن الدمار البيئي.
أولا : مظاهر الدمار
البيئي:
أثبت
الغزو العراقي لدولة الكويت ، بشكل لا جدال فيه ، دور الحرب في تهديد
البيئة كموطن للإنسان يعتمد عليه إعتمادا كليا ، ومساهمتها في الإسراع
في عملية إنهيار الأنظمة الإيكولوجية.
وتعالج هذه
الدراسة أحد جوانب السمؤولية الدولية للعراق والناشئة عن غزوه وإحتلاله
لدولة الكويت ، وهي المسؤولية عن الأضرار التي لحقت ببيئة دولة الكويت
بصفة خاصة ، وبيئة منطقة الخليج بشكل عام .
1- التلوث البحري والبري:
من
النتائج الخطيرة للغزو العراقي لدولة الكويت وقوع أحد أكبر كوارث
التلوث النفطي في التاريخ المعاصر. فقد قدرت كمية النفط المتسرب في
مياه الخليج بما يتراوح بين أربعة وستة ملايين برميل ، مما أدى إلى
تلوث البيئة البحرية والساحلية للدول الثماني المطلة على الخليج ، حيث
إن الرصيف المرجاني والنباتات المتوافرة تشكل الأساس الإقتصادي لشعوب
دول المنطقة نتيجة تكاثر الأسماك الذي يشكل مصدرا أساسيا للبروتين
للدول الثماني.
وتهدد
بقعة الزيت أيضا حوالي 180 نوعا من الرخويات البحرية و 106 أنواع من
الأسماك و 450 نوعا من الكائنات البحرية الأخرى . وذكرت بعض المؤسسات
المهتمة بحماية الطبيعة أن عدة أنواع من السلاحف البحرية الخضراء أصبحت
مهددة بالإنقراض . كما أن تلوث الشعب المرجانية ، التي تعتبر المصدر
الرئيسي لغذاء الأسماك ، يشكل تهديدا كبيرا للثروة السمكية التي يعتمد
عليها آلاف الصيادين . بالإضافة إلى خطورة المركبات السامة التي يحويها
النفط على الحياة البحرية ، حيث يشكل إحتمال ذوبان هذه المركبات في
مياه البحر وإختلاطها بمسارب المياه المستخدمة في محطات إزالة الملوحة
( التحلية ) خطرا كبيرا على صحة الإنسان.
ويعتقد بعض
خبراء البيئة أن الخواص الطبيعية لهذا الجزء من المنطقة البحرية تزيد
من حدة وخطورة كارثة التلوث النفطي . فمن ناحية يعتبر الخليج ممرا
مائيا ضحلا ، حيث يبلغ متوسط عمق المياه فيه 35 مترا ، ومن ناحية أخرى
فهو بحر شبه مغلق وتغيير المياه فيه بطيء جدا مقارنة بالبحار والمحيطات
الأخرى ، حيث يتطلب هذا الأمر بضع سنين . نتيجة لذلك فإن الآثار
البعيدة المدى لتسرب النفط في مياه المنطقة نتيجة للحرب قد تؤدي إلى
إنهيار نظم إيكولوجية بأكملها في الخليج ، الذي تعيش حوله آلاف الطيور
والحيوانات اللبونة ، وتحتوي مياهه ثروة سمكية يعتمد عليها عدد كبير من
سكان هذه المنطقة كمصدر للرزق ، كما أن صناعة صيد السمك ، التي تقدر
بحوالي 14 ألف طن من الروبيان و 330 ألف طن من الأسماك الأخرى سنويا
مهددة بالكساد .
ولا
يقل أثر الدمار البيئي الذي أحدثه العدوان العراقي في البيئة عن مثيله
في البيئة البحرية ، فقد أدخلت قوات الإحتلال الغاشم إلى الكويت الآلوف
من الجنود والآليات من دبابات وناقلات مصفحة ومدافع ثقيلة ذاتية الحركة
وجرافات ، كانت بحد ذاتها عبئا ثقيلا على التربة الصحراوية الهشة ذات
الغطاء النباتي الضعيف تجعلها بشكل خاص أكثر حساسية للإنهيار بسبب
الضغوط الهائلة التي نتجت عن العمليات العسكرية ، ويؤكد علماء البيئة
أن تربة الكويت قد تحتاج إلى مئات السنين لتعود لطبيعتها . بالإضافة
إلى ذلك فإن تسرب النفط من مئات الآبار المشتعلة أو المدمرة حيث بلغ
عدد البحيرات النفطية التي تكونت من هذا التسرب النفطي أكثر من مئتي
بحيرة تحتوي على نحو 125 مليون برميل من النفط ويتفاوت عمقها بين عشرة
سنتيمترات ومترين – قد أدى إلى تلويث مساحات شاسعة من التربة الكويتية
، ويحذر بعض علماء البيئة من الآثار المترتبة على تلوث التربة بالنفط
لأنه من الممكن وصول الزيت وما يحمله من مواد سامة إلى المياه الجوفية.
2- التلوث الجوي:
لم
تقتصر آثار الغزو العراقي لدولة الكويت على البيئة البرية والبحرية ،
بل إمتدت لتحدث إحدى كوارث التلوث الجوي الكبرى في القرن العشرين نتيجة
لإشتعال النيران في عدة مئات من آبار النفط في الكويت.
وتشير
التقديرات إلى أن إشعال النيران وتدمير حوالي 758 بئرا نفطية في الكويت
قد أدى إلى تغطية الكويت وأجزاء من جنوب العراق وغرب إيران وشرق
السعودية والبحرين بغمامة دخانية سواداء مما أحدث مشكلة إقليمية تمتد
آثارها عبر الدول المجاورة للكويت قد تؤثر أيضا بشكل غير مباشر على
مناطق أبعد وقد تصل إلى الهند وشرق أفريقيا.
وتقدر كمية
النفط المحترقة بما يقارب أربعة أو خمسة ملايين برميل يوميا . أما
كميات ( السخام ) الناشئ عنالحرائق فتقدر بنحو 70 مليون متر مكعب في
اليوم . وقد سببت هذه الحرائق ، حسب تقدير عدد كبير من العلماء أكبر
كارثة تلوث جوي في القرن الحالي . وذكرت المنظمة العالمية للأرصاد
الجوية أن عشرات ملايين الأمتار المكعبة من الغازات تنبعث يوميا من
الآبار المشتعلة . ويرى بعض الخبراء أن استمرار إشتعال النيران في آبار
النفط لمدة أربعة أشهر يؤدي إلى تشكيل غمامة فوق منطقة مساحتها أربعة
ملايين كيلومتر مربع ، وهذا قد ينشأ عنه إنخفاض درجة الحرارة في تلك
المنطقة عن معدلها المعتاد في مثل هذا الوقت من كل عام.
أما
إذا استمر إشتعال الآبار لفترة تتراوح ما بين سنة إلى سنتين فستكون
العواقب وخيمة وقد تكون الآثار الإيكولوجية لهذه الكارثة بعيدة المدى ،
حيث إن السحب الدخانية الناتجة عن إحتراق آبار نفط الكويت تتكون من
مركبات وغازات ملوثة للهواء مثل ثاني أكسيد الكبريت وثاني أكسيد
النيتروجين وأول أكسيد الكربون وعشرات المركبات الهدروكربونية المتعددة
الحلقات التي تعتبر مسرطنة . ويؤدي إستنشاق هذه الغازات والجسيمات إلى
أضرار صحية ، وتكمن خطورة الجسيمات الدقيقة الناتجة عن إحتراق النفط في
حجمها ، إذ إن صغر حجمها الذي يقل عن 10 بيكومتر يجعلها قادرة على دخول
الرئتين والحويصلات الهوائية والتأثير على الجهاز التنفسي .
إن
الأرقام والتقارير الصادرة عن الخبراء البيئيين وعن المنظمات الدولية
المختصة بالبيئة لا تدع مجالا للشك حول الآثار البيئية الخطيرة الناتجة
عن الغزو العراقي لدولة الكويت وإحتلاله غير المشروع ، مما أدى إلى
تدمير البيئة البرية والبحرية والجوية تدميرا شديدا وبصورة عشوائية ،
جعل من الصعب إعادة البيئة الطبيعية بدولة الكويت وبعض دول الخليج إلى
ماكانت عليه قبل الغزو العراقي وحرب تحرير الكويت . لذلك نرى ضرورة
تحديد المسؤولية الدولية للعراق عن الدمار البيئي الذي سببه غزوه
وإحتلاله غير المشروع لدولة الكويت ، وفقا لقواعد القانون الدولي والتي
تبين الأساس القانوني للمطالبة بالتعويضات عن الخسائر والأضرار التي
لحقت بالبيئة البحرية والبرية والجوية لدولة الكويت ودول الخليج الأخرى
، كما دونت في المواثيق والمعاهدات الدولية التي تضع القواعد العامة
لمسؤولية الدولة عن الأضرار التي تلحقها بدولة أخرى وفي وقت الحروب .
بالإضافة إلى القرارات الصادرة من مجلس الأمن الدولي المتعلقة
بالمسؤولية والتعويض عن الأضرار التي لحقت بالبيئة وذلك في البندين
ثانيا وثالثا من هذه الدراسة .
ثانيا : القواعد العامة للمسؤولية عن
الدمار البيئي
1- موقف المواثيق
والإعلانات العالمية للبيئة:
قبل
بيان موقف القانون الدولي من مسؤولية الدول الأطراف في النزاع ، عن
الحفاظ على الممتلكات والأعيان المدنية وسلامة صحة السكان المدنيين في
ظل الإحتلال العسكري ، لا بد من الإشارة إلى أن المجتمع الدولي ألزم
الدول بموجب الإتفاقيات الدولية والمواثيق والإعلانات العالمية ،
المحافظة على البيئة الطبيعية وعدم الإضرار بها ، مثال ذلك ما جاء في
البند الخامس من المبادئ العامة المدونة في الميثاق العالمي للطبيعة
لعام 1982 بشأن إحترام الطبيعة وعدم جواز تعطيل عملياتها الأساسية ،
حتى أثناء الحروب ، عندما نصت على أنه (( يجب أن تصان الطبيعة من
التدهور الناجم عن الحرب أو الأنشطة العدائية الأخرى )). في حين نحد أن
المبدأ ( 20 ) من الميثاق ، قرر بأنه (( يجب تحاشي الأنشطة العسكرية
الضارة بالطبيعة )) . ومن هنا نجد أن القواعد الأخلاقية والقانونية
تلزم الدول أثناء المنازعات المسلحة بعدم القيام بأعمال من شأنها تغيير
الطبيعة وإستنفاد مواردها بإرتكاب الأعمال غير المشروعة أو ما قد يترتب
على هذه الأعمال من نتائج خطيرة على الإنسان والبيئة الطبيعية ، ومن ثم
فإن على الإنسان أن يعترف بالضرورة الملحة للحفاظ على إستقرار الطبيعة
ونوعيتها وحفظ الموارد الطبيعية . ومن ناحية أخرى خصصت إتفاقية الأمم
المتحدة لقانون البحار لعام 1982 مواد عديدة للحد من تلوث البيئة
البحرية وألزمت الدول الأطراف بحماية البيئة من الدمار ، مثال ذلك
المادة (192) من الإتفاقية عندما نصت على أن (( الدول ملزمة بحماية
البيئة البحرية والحفاظ عليها )) في حين أقرت الإتفاقية مبدأ المسؤولية
الدولية للدول التي تنتهك أحكام الإتفاقية المتعلقة بالمحافظة على
البيئة البحرية ، ويتجلى ذلك في المادة ( 235 ) من الإتفاقية عندما نصت
على أن : الدولة مسؤولية دوليا لخرقها للإلتزام الدولي بالمحافظة على
البيئة )). ولضمان قيام الدولة التي قامت بتدمير البيئة بتعويض الدولة
المتضررة أكدت الفقرة الثانية من المادة السابقة مسؤولية الدول الأخرى
في ضمان قيام الدول المخالفة بدفع تعويض للدول المتضررة من الدمار
البيئي فقررت أنه : (( لفرض ضمان تعويض سريع وكاف فيما يتعلق بجميع
الأضرار الناجمة عن تلوث البيئة البحرية ، تتعاون الدول في تنفيذ
القانون الدولي القائم في تطوير القانون الدولي المتصل بالمسؤولية
والإلتزامات الناجمة عنها من أجل تقييم الضرر والتعويض عنه وتسوية
المنازعات )).
2- موقف إتفاقية جنيف
لقوانين الحرب:
حددت
إتفاقية جنيف لحماية ضحايا الحرب لعام 1949 والبروتوكولات الملحقة بها
لعام 1977 القواعد العامة والخاصة لمسؤولية الدولة عن الأضرار الناتجة
عن شن الحروب ، مثال ذلك ما جاء في إتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949
عندما حظرت تدميرممتلكات وثروات الدولة المحتلة ، وعليه فإن قيام سلطات
الإحتلال بتدميرها يعد مخالفة وخرقا صريحا لقواعد القانون الدولي لكونه
عملا غير مشروع.
وهناك
إجماع دولي كما يرى فقهاء القانون الدولي على أن ما قامت به قوات
الإحتلال العراقي ضد البيئة الكويتية وثرواتها يشكل (Wanton
Destruction
) بإعتباره عملا
إجراميا ضد حقوق أو سلامة الآخرين وما قد يترتب على ذلك من آثار ضارة .
ولسد القصور في أحكام إتفاقيات جنيف لعام 1949 المتعلقة بحماية البيئة
الطبيعية من الأعمال العسكرية أثناء القتال قامت دول المجتمع الدولي في
المؤتمر الدبلوماسي لتأكيد وتطوير القانون الدولي الإنساني المطبق في
المنازعات المسلحة لعام 1977 بتدوين القواعد العرفية الدولية التي تحظر
إستخدام وسائل أو أساليب للقتال يقصد منها أو قد يتوقع منها أن تلحق
بالبيئة الطبيعية أضرار بالغة أو واسعة الإنتشار وطويلة الأمد ، وذلك
إستنادا إلى قاعدة تقييد حرية أطراف أي نظاع مسلح في إختيار أساليب
ووسائل القتال بإعتباره حقا مقيدا وليس مطلقا . وبالإمكان تطبيق
القاعدة
السابقة على التسرب النفطي في منطقة الخليج ، الذي أدى إلى تدمير
البيئة البحرية وإلحاق الضرر الجسيم بالبيئة الطبيعية ومواردها. وكذلك
فإن حرق مئات من آبار النفط الكويتية وتدميرها قد ساهم في إهدار ونضوب
الثورة النفطية التي تعد المصدر الوحيد لرفاهية وحياة الشعب الكويتي
وكثير من شعوب العالم التي تعتمد على المساعدات التي تتلقاها من الكويت
بصورة مباشرة أو غير مباشرة . وخطورة هذا العمل تكمن في أن الثورة
النفطية تعد من الموارد الطبيعية غير المتجددة،وبالتالي فإن تدميرها
وحرقها يؤدي إلى إلحاق الضرر الفادح بالشعب الكويتي والمقيمين معه من
أبناء الدول الأخرى وزيادة على ذلك فإن حرق آبار النفط قد يؤدي إلى
تلوث الهواء والتربة لفترات طويلة الأمد كما جاء في دراسات وتقارير
الخبراء البيئيين وكذلك المنظمات الدولية المتخصصة التي قامت بإجراء
القياسات لهواء الكويت . وبالإضافة إلى ذلك فإن المادة ( 55 ) من
البروتوكول الأول لعام 1977 حظرت إستخدام وسائل القتال التي يقصد بها
أو يتوقع منها أن تسبب الأضرار البالغة الواسعة الإنتشار الطويلة الأمد
بالبيئة الطبيعية ، ومن ثم تضر بصحة أو بقاء السكان ، وبموجب هذه
المادة فإن الدول المتحاربة عليها الإلتزام أثناء القتال بحماية البيئة
الطبيعية . وحظرت الفقرة الثانية في هذه المادة هجمات الردع التي تشن
ضد البيئة الطبيعية ، ورغم ذلك يكشف التصريح الذي أدلى به الرئيس
العراقي صدام حسين في مقابلة مع محطة التلفزيون الأمريكية (
CNN)
عن القصد العمدي لتدمير البيئة الكويتية بواسطة إستخدام أحد موارد
البيئة الطبيعية وهو النفط كسلاح تحت ستار الضرورة الحربية عندما قال
(( إذا كان بإمكان العراقيين إستخدام النفط للدفاع عن النفس ويشمل
تفريغ النفط في المياه فإنه يصبح لدى العراقيين التبرير في اللجوء إلى
هذا العمل )) . بالإضافة إلى ذلك ذكر أحد خبراء النفط من الولايات
المتدة ، بأن خطة تدمير آبار النفط قد بدأت بعد أيام من الغزو العراقي
للكويت وذلك عندما قام حوالي 1000 جندي عراقي وما بين 30 إلى 40 مهندسا
بوضع خطة لتنفيذ تدمير الآبار النفطية . فلم يكن التدمير عملا عشوائيا
، إنما تم تنفيذه وفق خطة محكمة . والأدهى من ذلك ، أن العراق قام
بإجراء تجارب لمعرفة الأسلوب الأمثل لتفجير رؤوس هذه الآبار ، وفي شهر
ديسمبر من عام 1990 فجر الخبراء العراقيون ست آبار نفطية في منطقة
الأحمدي كتجربة لتحديد أفضل الطرف للتفجير . وبعد نجاح التجربة السابقة
بدأت الأعمال الهندسية ووضع المتفجرات لتلغيم الآبار وتوصيل الأسلاك
وحفر الخنادق لحماية الأسلاك من حركة الدبابات بين حقول النفط . ونرى
أن العراق لا يمكنه الإستناد إلى نظرية الضرورة العسكرية لتفادي
المسؤولية الدولية عن الأضرار التي لحقت بالبيئة الطبيعية نتيجة حرق
وتدمير آبار النفط والتسرب العمدي للنفط في مياه الخليج ، لأن دول
المجتمع الدولي حظرت على الدول إستخدام تقنيات التغيير في البيئة
لأغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى . وعليه فإنه يمكن إعتبار حرق
آبار النفط أو التسرب النفطي إستخداما غير مشروع لتقنيات التغيير
البيئي ، لأن هذا العمل المحظور يترتب عليه آثار واسعة الإنتشار تدوم
مدة طويلة وتهدف إلى الإضرار بدولة عضو في المجتمع الدولي من خلال
تدمير أو إتلاف بيئتها الطبيعية ومكوناتها . وهذا ما أكدته المادة
الأولى من الإتفاقية الدولية بشأن حظر إستخدام تقنيات التغيير في
البيئة لأغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى لعام 1976 ، بل إن هذه
الإتفاقية ألزمت الدول الأطراف ألا تساعد أو تشجع أو تحض أية دولة أخرى
أو مجموعة من الدول أو منظمة دولية على أن تفعل ذلك . وأجازت الفقرة (
3 ) من المادة الخامسة لأي طرف في الإتفاقية الحق في تقديم شكوى إلى
مجلس الأمن الدولي عندما يكون لديه أسباب أن دولة أخرى طرف في
الإتفاقية تتصرف بشكل يتنافى مع إلتزاماتها المنصوص عليها في هذه
الإتفاقية ، وإذا كان العراق ليس طرفا في الإتفاقية إلا أن ذلك لا
يعفيه من المسؤولية الدولية عن القيام بإجراء تغيير في البيئة الطبيعية
البرية والبحرية والجوية الكويتية مما أدى إلى إتلاف وتدمير مكونات
البيئة لفترات طويلة ، لأن الأحكام المنصوص عليها في هذه الإتفاقية هي
في الأساس قواعد عرفية دولية تستند إلى المبادئ الدولية العامة بشأن
مسؤولية الدولة لضمان أن الأنشطة التي تقوم بها داخل حدود سلطتها أو
تحت رقابتها تضر بالبيئة بإعتبار أن ذلك العمل محظور دوليا .
ومن
جانب آخر يشكل حرق آبار النفط الكويتية إنتهاكا صارخا للأحكام المتعلقة
بحماية الأشغال الهندسية أو المنشآت المحتوية على قوى خطرة كما جاء في
الفقرة الأولى من المادة ( 56 ) من البروتوكول الأول لعام 1977 التي
تمنع شن هجوم على الأشغال الهندسية أو المنشآت التي تحوي قوى خطرة ، عن
معرفة بأن بأن مثل هذا الهجور يسبب خسائر بالغة في الأرواح أو إصابات
بالأشخاص المدنيين وتسبب وفاة أو أذى بالغا بالجسد أو الصحة ، ولا جدال
في أن حرق مئات من آبار النفط يشكل ضررا جسيما بصحة كل من يتعرض
لمحتواها من الغازات السامة وذلك في ضوء التأكيدات الصادرة من الهيئات
والمنظمات الدولية المتخصصة ، التي قامت بإجراء دراسات ميدانية وعلمية
على هواء وتربة دولة الكويت والبيئة البحرية لمنطقة الخليج من جراء
التسرب النفطي المدمر في مياه الخليج .
ولا
يجوز للعراق في هذا الصدد أن يبرر عدوانه على البيئة الطبيعية بأنه
السبيل الوحيد المستطاع للوقوف أمام الحلفاء في عملية تحرير الكويت .
ولا ينبغي أيضا أن يبرر عدوانه بناء على تفسير قاصر لموضوع الحماية
الخاصة المقررة في إتفاقيات جنيف والبروتوكول الأول لعام 1977 الذي
أشار على سبيل المثال لا الحصر إلى بعض المناطق الخطرة التي تشملها
الحماية الخاصة مثل السدود والجسور ومراكز توليد الكهرباء بالطاقة
النووية . وبالتالي فإن الحماية الخاصة المقررة في هذه المادة تشمل
كذلك المنشآت النفطية وحقول النفط لأنها تحوي قوى خطرة ويتسبب تدميرها
في إلحاق الضرر بالسكان المدنيين والبيئة الطبيعية ، وتعد من الأعمال
التي تشكل إنتهاكات جسيمة للبروتوكول الأول الملحق بإتفاقيات جنيف لعام
1977 وذلك إذا أقترفت عن عمد . لذلك فإن حرقها أو تفجيرها كما حصل
بالنسبة لمئات من آبار نفط الكويت والمنشآت التي تحتوي على النفط
وتفريغها بصورة عمدية وبمعرفة تامة لآثارها الضارة على البيئة البحرية
ومكوناتها يعد إنتهاكا جسيما لإتفاقيات جنيف لعام 1949 البروتوكول
الأول لعام 1977 كما نصت على ذلك الفقرة الفرعية ( ج ) من الفقرة ( 3 )
للمادة ( 85 ) من البروتوكول . وذلك لكونه مخالفة صريحة للنصوص الخاصة
بها في هذا البروتوكول وعلى الأخص ما جاء في الفقرة الفرعية ( ب )
عندما أعتبرت من الإنتهاكات الجسيمة : (( شن هجوم على الأشغال الهندسية
أو المنشآت التي تحوي قوى تخطرة عن معرفة بأن مثل هذا الهجوم يسبب
خسائر بالغة في الأرواح ، أو إصابات بالأشخاص المدنيين . أو أضرارا
للأعيان المدنية كما جاء في الفقرة الثانية ( أ ) ثالثا من المادة 57
)).
ثالثا : قرارات مجلس
الأمن الدولي بشأن الدمار البيئي:
بالإضافة إلى القواعد العامة في ترتيب مسؤولية الدولة عن الأضرار التي
تلحقها بدولة أخرى بسبب خرقها لقواعد القانون الدولي وعلى الأخص أثناء
المنازعات المسلحة أكد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 674 الصادر في
أكتوبر 1990 ، بوضوح مسؤولية العراق وفقا لقواعد القانون الدولي عن
الخسائر والأضرار والإصابات المتعلقة بالكويت والدول الأخرى ورعاياها
وشركاتها نتيجة الغزو العراقي والإحتلال غير المشروع للكويت . بموجب
الفقرة ( ب) من القرار 686 الصارد في 2 مارس لسنة 1991 قبل العراق من
حيث المبدأ بمسؤوليته وفقا للقانون الدولي عن أية خسارة أو ضرر أو
أضرار ناجمة بالنسبة للكويت ودول ثانية ورعايها وشركاتها نتيجة الغزو
العراقي والاحتلال غير المشروعين للكويت .
وبالإضافة إلى
ذلك أكد مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 687 لسنة 1991 مسؤولية العراق
بموجد قواعد القانون الدولي عن الأضرار البيئية وإستنفاد الموارد
الطبيعية بسبب إعتدائه غير المشروع وإحتلاله للكوي .
هذا
وتستند أحقية دولة الكويت في المطالبة بالتعويضات عن الأضرار التي لحقت
بالممتلكات والأشخاص إلى أحكام إتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية
السكان المدنيين لعام 1949 وبصورة خاصة المادة ( 53 ) التي تحرم تدمير
الممتلكات في الأراضي المحتلة ، وإستنادا غلى المادة الثانية من
إتفاقية لاهاي الرابعة لإنتهاك العراق لقوانين الحرب ، وأخيرا ما جاء
في المادة ( 91 ) من البروتوكول الأول لعام 1977 والتي تقرر صراحة
مسؤولية أطراف النزاع الذي ينتهك أحكام الإتفاقيات أو البروتوكول بدفع
تعويض إذا إقتضى الحال ذلك ، ويكون مسؤولا عن كافة الأعمال التي
يقترفها الأشخاص الذين يشكلون جزءا من قواته المسلحة . وبموجب القواعد
العامة يحق لدولة الكويت المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت
بممتلكاتها وثرواتها الطبيعية وتقدير قيمة الخسائر التي لحقتها ماديا
من جراء أعمال التخريب والتدمير والحرق والنهب والسلب التي أرتكبتها
قوات الإحتلال العراقي وعلى رأسها تدمير المنشآت الصناعية وحرق آبار
النفط . وفيما يتعلق بالدمار للبيئة الطبيعية من هواء وتربة ومياه
البحر بالإضافة إلى موت مئات الطيور والأحياء البحرية وتلويث سواحل
الكويت والسعودية بصورة خاصة ، فإن مسؤولية العراق عن تعويض الأضرار
والخسائر التي لحقت بالبيئة ومكوناتها وإن كان بالإمكان تقديرها وفقا
لقوانين الحرب التقليدية والخاصة بالتعويضات .. إلا أنه من الضروري
إنشاء لجنة دولية لتقدير هذه الخسائر والأضرار البيئية وفقا لمعايير
وقواعد القانون الدولي البيئي التي تأخذ في الإعتبار الأضرار التي لحقت
بالبيئة حاليا والأضرار المحتملة للبيئة الطبيعية على المدى البعيد حيث
إن الآثار الضارة بالبيئة وبصحة الإنسان لا تظهر إلا بعد مرور فترة
زمنية طويلة وبالتالي لا بد أن تؤخذ في الإعتبار قيمة الخسائر والأضرار
اللاحقة وعمليات التأهيل للبيئة الطبيعية ومواردها.
وجدير
بالذكر أن قرار مجلس الأمن الدولي ( 674 ) الصادر في أكتوبر سنة 1990
ضد العراق بسبب غزوه وإحتلاله غير المشروع لدولة الكويت . أكد على
أحقية الكويت بصورة خاصة للحصول على التعويض عن الأضرار التي لحقتها
عندما قررت الفقرة الثامنة أن : (( يذكر العراق بمسؤوليته بموجب
القانون الدولي ، عن أية خسائر أو إصابات تنشأ فيما يتعلق بالكويت
والدول الأخرى ورعاياها وشركاتها . نتيجة الغزو العراقي وإحتلاله غير
المشروع للكويت )).
وإذا
كان القرار السابق قد أكد المسؤولية الدولية للعراق وفقا للقانون
الدولي ، فإن من الواضح أن القرار أعطى الأولوية لدولة الكويت في هذا
الصدد حيث جاء ذكر الكويت قبل غيرها من الدول المتضررة وبشكل مستقل ،
مما يؤكد حقها في الأولوية في جبر الضرر أو التعويض المالي وفقا
للقانون الدولي . وتشير ديباجة قرار مجلس الأمن الدولي رقم ( 686 )
الصادر في باريس 1991 إلى موافقة العراق على الإمتثال التام لجميع
القرارات الصادرة من مجلس الأمن الدولي ومن بينها القرار رقم ( 674 )
من خلال رسالة وزير خارجية العراق رقم ( 2275/S)
بتاريخ 27 فبراير 1991 . وطالبت الفقرة الثانية من القرار المذكور
العراق بتنفيذ كافة القرارات الأثنى عشر الصادرة عن مجلس الأمن وبصفة
خاصة ما جاء في الفقرة الفرعية ( ب ) من هذه الفقرة والتي تنص على : ((
أن يقبل العراق من حيث المبدأ مسؤوليته بموجب القانون الدولي ، عن أية
خسارة أو ضرر أو أضرار ناجمة بالنسبة للكويت ودول ثالثة ورعايها
وشركاتها نتيجة الغزو العرافي على دولة الكويت وإحتلاله غير الشرعي لها
)). وتبين هذه الفقرة تأكيد مجلس الأمن الدولي على مسؤولية العراق أولا
تجاه دولة الكويت عن أية خسارة أو أضرار ناجمة عن هذا الغزو والإحتلال
، وتليها أحقية الدول الأخرى ورعاياها التي تضررت من الغزو والإحتلال
العراقي في الحصول على التعويض عن الأضرار التي لحقت بها.
هذا
وقد أصدر مجلس الأمن الدولي قراره ( 687 ) في أبريل 1991 أكد فيه من
جديد في الفقرة ( 16) على أن العراق (( مسؤول بمقتضى القانون الدولي عن
أية خساة مباشرة أو ضرر مباشر ، بما في ذلك الضرر اللاحق بالبيئة
وإستنفاد الموارد الطبيعية ، أو ضرر وقع على الحكومات الأجنبية أو
رعاياها أو شركاتها، نتيجة الغزو العراقي وإحتلاله غير المشروع للكويت
)).
وبموجب
القرار رقم (687) أدرج مجلس الأمن الدولي الأضرار بالبيئة وإستنفاد
الموارد الطبيعية لدولة الكويت والدول الأخرى ضمن الخسائر والأضار
المباشرة التي يجب على العراق القيام بدفع التعويض عنها من خلال صندوق
الأمم المتحدة للتعويضات التي تم إنشاؤه بموجب الفقرة (18) من القرار
المذكور ويكون تمويله من قيمة صادرات النفط العراقي وعلى أساس نسبه
مئوية تقتطع يقترحها السكرتير العام للمنظمة الدولية والتي وافقع مجلس
الأمن الدولي بألا تزيد عن 30% من دخل العراق من صادرات النفط في
المستقبل . وبموجب القرار رقم ( 692 ) وافق مجلس الأمن الدولي على
تقرير السكرتير العام للأمم المتحدة الذي حدد فيه الإجراءات الواجب
إتباعها لتقديم المطالبات من قبل الحكومات بالنيابة عن رعاياها
وشركاتها وأقتراح السكرتير العام في الفقرة ( 28) من التقرير المذكور
أعلاه أن يكون لدولة الكويت الأولوية على غيرها من المدعين وذكر في هذا
الصدد ضرورة التمييز بين الكويت من ناحية والدول الأخرى من ناحية أخرى
. إن أهمية هذا الإقتراح تكمن في ضمان حق دولة الكويت في التعويض في
حالة نقص الموارد المالية لصندوق التعويضات تجاه حقوق المدعين الآخرين
، وتجنب عدم حصول الكويت على الأولوية في التعويض تجاه الدول الأخرى في
المنطقة وعلى الأخص فيما يتعلق بالأضرار التي لحقت بالبيئة ، لأن الضرر
البيئي على الكويت لم يقتصر على البيئة البحرية وإنما امتد ليشمل تلوث
الهواء والتربة الكويتية ، وهذا ما يعطيها الحق إستنادا إلى تقرير
السكرتير العام للأمم المتحدة بأن تحظى بالأفضلية والأولوية على الدول
الأخرى في المنطقة التي تضررت من التلوث البيئي وإنما بدرجات أقل بكثير
لما حصل للبيئة الكويتية . ولا بد من الإستناد على قرارات مجلس الأمن
الدولي ذات العلاقة بمسؤولية العراق الدولية بالإضافة غلى تقرير
السكرتير العام للأمم المتحدة الخاص بإجراء المطالبة عن التعويض
الأضرار الجسيمة التي لحقت بها وعلى الأخص أحقيتها في أن تكون لها
الأولوية في الحصول على التعويض عن الدمار البيئي وإستنفاد الموارد
النفطية والموارد الطبيعية الأخرى لكونها ثروات الأجيال القادمة ويجب
عدم التفريط بها وذلك في ضوء إحتمال عدم كفاية العائدات النفطية
العراقية لتوفير التعويض الشامل والعادل للأفراد والحكومات والشركات عن
الأضرار التي لحقتها والتي يتوقع رئيس مجلس إدارة اللجنة الدولية
للتعويضات بأن تصل إلى ( 200 مليار دولار ) هذا الوضع قد يؤدي غلى نشوء
منازعات بين الدول المتضررة من العدوان العراقي من شأنها ضياع حق شعب
الكويت في أولويته في الحصول على تعويض شامل وعادل عن كافة الأضرار
وعلى الأخص الخسائر والأضرار البيئية التي لحقت به.
وبناء
على ما سبق نجد أن الأساس القانوني الدولي لترتيب مسؤولية العراق عن
الأضرار البيئية والتعويض عنها لدولة الكويت ودول الخليج الأخرى حددتها
بوضوح المواثيق والإتفاقيات الدولية في وقت السلم والحرب ، بالإضافة
إلى القرارات الصادرة من مجلس الأمن الدولي وعلى الأخص رقم ( 687 )
لعام 1991 والتي تشكل الأساس القانوني والدولي للمطالبة بالتعويضات عن
الأضرار البيئية التي لحقت بالبيئة الطبيعية والثروة النفطية لدولة
الكويت من ناحية والأضرار البيئية التي لحقت بدول الخليج من ناحية أخرى
، وأن يتم ذلك بواسطة طلب يقدم إلى صندوق الأمم المتحدة للتعويضات الذي
تم إنشاؤه بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم ( 687 ) لعام 1991 . والتي
حدد إختصاصها لنظر خمس فئات من الدعاوي، وهي دعاوي الأفراد ، الدول ،
الشركات ، البيئة ، والثروات الطبيعية .
هذا
وقد عقد مجلس الصندوق عدة إجتماعات في جنيف لوضع الأسس والمعايير
الواجبة التطبيق عند المطالبة بالتعويض عن الأضرار بصورة عامة .
ومن جانب آخر
فإن قيام دول المجتمع الدولي بترتيب مسؤولية العراق الدولية عن الدمار
البيئي وقبول العراق لمسؤوليته والإلتزام بدفع التعويضات، يؤكد على
نشوء قاعدة دولية جديدة من شأنها الحد من حرية الدول في إستخدام
البيئة والثروة الطبيعية كأداة لتحقيق إنتصارات عسكرية ، ويشكل هذا
الإتجاه الجديد نوعا من الردع لأية دولة في المستقبل من القيام بتصرفات
لا مسؤولة تجاه البيئة ، لأن هذه الأعمال تعد جريمة بحق البشرية والسلم
البيئي في أي مكان في العالم .
ملاحظة : لمزيد من المعلومات حول هذه
الدراسة ومراجعها راجع مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية الصادرة عن
مجلس النشر العلمي – جامعة الكويت – العدد الرابع والستون – السنة
السابعة عشرة – رجب 1411 هـ الموافق يناير 1992.
التاريخ : مايو 2005 |