01/08/2004 محارق النفايات الطبية تحرق البيئة الكويتية

كتب : خالد محمد الهاجري

الرئيس والمنسق العام

 

إن عدم تطبيق الجهات المعنية في الدولة للإشتراطات والمقاييس البيئية والعلمية الصحيحة وتجاهلها للنداءات والتحذيرات التي يطلقها المختصون يوجب الوقوع في أشد الأخطاء فداحتا ، وهذا ما حصل بالفعل عندما أصرت وزارة الصحة وبدعم من الهيئة العامة للبيئة على إنشاء مزيد من محارق النفايات الطبية الخطرة في الوقت الذي تتجه دول العالم أجمع لإعتماد معايير جديدة لإدارة النفايات الخطرة وإغلاق المحارق بعد ثبوت خطرها على البيئة وصحة الإنسان ........كتبت لجريدة الدستور البرلمانية هذا التقرير بعد أن إستكشف كواليس محارق النفايات الطبية الخطرة في الكويت وننشره بالتزامن مع نشره في الدستور.

 

المحارق عالميا :

تعتبر تقنية حرق النفايات الطبية إحدى أشد وأكثر التقنيات خطرا على البيئة وصحة الإنسان حيث تعتبر المنظمات البيئية العالمية  إنشاء وتشغيل محارق النفايات سمة من سمات التخلف في الإدارة البيئية والتي ينتج عنها تدمير للسماء والأرض وتحويلهما إلى مرادم للنفايات الخطرة الغازية منها والصلبة . وقد بدأت الكثير من دول العالم بالإتجاه إلى التكنولوجيا الصديقة للبيئة والتي تعطي الكثير من الحلول العلمية المناسبة بيئيا وإقتصاديا معتمدتا على التدرج في مشاريع بيئية وإقتصادية تهدف إلى إزالة وإقفال محارق النفايات الطبية حيث أقفل في اليابان وحدها نحو 4600 محرقة نفايات بسبب التشريعات البيئية الصارمة التي فرضت على إنبعاثات الديوكسين الخطر عام 1999. كما أقفل في الولايات المتحدة وحدها ما يقارب من 2500 محرقة نفايات وترجح المنظمات البيئية في الولايات المتحدة أن يتم إغلاق أغلب محارق النفايات الطبية فيها نظرا لكونها لا تراعي الأنظمة والمقاييس المعمول بها.

 

المحارق محليا :

لقد ظل المجتمع الكويتي يتجرع أخطر أنواع الملوثات السامة التي بدأت بالتسرب إليه منذ سبعينيات القرن الماضي بعد إنشاء وزارة الصحة لمستشفيات إحتوت على أخطاء بيئية وهندسية شنيعة حيث انشأت محارق للنفايات الطبية الخطرة داخل هذه المستشفيات رغم ما تشكله من خطورة على البيئة وصحة المجتمع وقد ثبت من خلال الدراسات أن جميع هذه المحارق والبالغ عددها إحدى عشرة محرقة غير مطابقة للمواصفات والمقاييس البيئية والصحية ، كما انها جميعا تقع في وسط المناطق السكنية وهي ( محرقة مستشفى الجهراء ، ومستشفى المبارك ، ومستشفى العدان ، ومستشفى الطب النفسي ، ومستشفى الأميري ، ومستشفى الصباح ، ومستشفى إبن سيناء ، ومستشفى الرازي ، مستشفى الأمراض السارية ) وكلها غير مطابقة للمواصفات والمعايير البيئية والصحية .

 

وقد قامت وزارة الصحة وتحت الضغوط بإغلاق بعض هذه المحارق وتركت البقية تعمل ومن المحارق التي أغلقت محرقة مستشفى الأميري بعد تدخل زوجة أحد السفراء الأجانب لدى المسؤولين وتوعيتهم بمخاطرها ، وقد بقيت مجموعة من المحارق تعمل إلى اليوم ناشرتا الغازات السامة والتلوث فوق المناطق السكنية رغم التحذيرات من خطورتها ورغم إدعاءات المسؤولين في الهيئة العامة للبيئة أن المحارق العاملة حاليا هي إثنتان فقد أكد المسؤولين في وزارة الصحة أن المحارق العاملة حاليا هي ( محرقة مستشفى الجهراء ، مستشفى المبارك ، مستشفى العدان ، مستشفى الطب النفسي ، مستشفى الأمراض السارية )

 

مكمن الخطورة :

إن خطورة محارق النفايات الطبية الخطرة تتمثل في محتوى النفايات التي يتم حرقها وما ينتج من عمليات الحرق هذه خصوصا إذا علمنا بأن الغازات الناتجة عن إحراق النفايات الطبية الخطرة متعددة الأنواع وتشمل الغازات الحمضية وتلك المنبعثة من المعادن الثقيلة كالزئبق والرصاص والزرنيخ والكادميوم والزنك والمركبات العضوية والكلورينية السامة وأول أكسيد الكربون وأكاسيد الكبريت وأكاسيد النتروجين وكذلك تشمل الجراثيم والفيروسات ، حيث ثبت بأن الحرق ليس الوسيلة الأجدى والأكفاء في معالجة النفايات الطبية الخطرة لأن نواتج الحرق مدمرة للبيئة وصحة المجتمع  .

 

الديوكسين: هو من أخطر نواتج عمليات حرق النفايات الطبية كما أنه الإسم الشائع لمجموعة من 210 مادة كيميائية لا إستعمال تجاري لها حيث انها تعد نفايات سامة بحتة تتكون عند حرق النفايات التي تحتوي البلاستيك PVC  والتي تشكل نسبة كبيرة من نفايات المستشفيات ، وقد  أعلنت منظمة الصحة العالمية في عام 1996 أن الديوكسين مادة سرطانية قاتلة وأوصت بالحد من معدلات إنبعاثه كما حظرت تعرض الإنسان لهذه المادة على إعتبار ان لا توجد نسب مأمونة لإنبعاثاتها لخطورتها الشديدة .

 

كما اعتبرت دراسة قامت بها وكالة حماية البيئة الأمريكية محارق النفايات الطبية مصدرا أساسي للتلوث بالديوكسين والزئبق ومن أشد ملوثات المخزون الغذائي. لقد ثبت علميا ونتيجة لمجموعة من الأبحاث التي أجرتها الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) أن الديوكسين مادة مسببة للأمراض السرطانية وتم ربط تأثير الديوكسين بسرطان الكبد والرئة والمعدة والأنسجة الرقيقة والضامة بالإضافة إلى الأورام اللمفاوية ، كما أن التعرض لنسب صغيرة من هذه المادة يؤدي إلى التأثير على جهاز المناعة وإضعاف قدرته على مقاومة الأمراض ، ولها أيضا تأثير لا يستهان به على التناسل البشري حيث يؤدي تعرض الحامل إلى الديوكسين إلى ولادة أطفال يعانون من تشوهات وعاهات خلقية ومشاكل في التعلم.

 

الزئبق: يستخدم في موازين الحرارة والآت قياس ضغط الدم وأنابيب التوسيع والتغذية بالإضافة إلى البطاريات والمصابيح وحيث أن إستعمال هذه الأدوات كبير فإن النفايات الطبية تتسبب في 20% من كمية الزئبق الموجودة في مجموع النفايات الصلبة بشكل عام ، والزئبق خطر للغاية خصوصا إذا علمنا أن الحرق لا يدمره بل يجعله ينبعث بقوة من مداخن المحارق مما يساعد على إنتشاره بقوة في الهواء وإنتقاله إلى المناطق السكنية المجاورة.

وتكمن خطورة هذه المادة في أنها المتسبب الرئيسي في إصابة الإنسان بالتسمم العصبي حيث تضر ضررا بالغا بالجهاز العصبي المركزي في الجسم كما تضر بالدماغ والكليتين والرئتين وبإمكانه إختراق الحاجز الدموي الدماغي والغشاء الجنيني بسهولة والدخول إلى دماغ الجنين والتسبب في أعراض مرضية خطيرة .

 

بلاستيك PVC: يعتبر هذا البلاستيك المصدر الأساسي لمادة الكلورين الناتجة عن محارق النفايات الطبية ويقدر أن 10% من النفايات الطبية الملوثة هي من بلاستيك PVC ومن عيوب هذا النوع من البلاسيتك أنه من الأنواع الغير قابلة للتدوير كما أن بعض مكوناته تتحلل في جسم الإنسان. وعلى الرغم من سعي العديد من الجهات المصنعة لهذه المادة لتصويرها كمادة ساهمة بشكل كبير في تطوير القطاع الصحي إلا أن هذه المادة كانت عرضة للعديد من الإنتقادات لأسباب صحية وبيئية على السواء فقد قام الإتحاد الأوروبي بمنع إستعمال عدد من الإضافات التي تدخل في تصنيع هذه المادة حيث ان بعض مكونات هذه المادة تتحلل داخل جسم الإنسان وتترسب في السوائل الدهنية في الجسم ما ينتج عنه تعريض الكبد والجلد والجهاز القلبي لمخاطر صحية شنيعة نتيجة تلوث الجسم بهذه المادة المستخدمة في كثير من المعدات الطبية.

 

تحذيرات علمية :

لقد خلصت مجموعة من العلماء إلى ان المحارق لا تشكل الطريقة المطلقة أو المثلى لحل المشكلة وذلك بعد إيجادهم معدلات مرتفعة لأنواع البكتيريا في الغازات الصادرة عن المحارق وبروز مشكلة فعلية وخطيرة تتمثل في الإنبعاثات الغازية الخطرة الناتجة عن هذه المحارق حيث لم تستطع تكنولوجيات الحرق بما تحتويه من فلاتر ومنقيات من منع الغازات الخطرة من الإنبعاث من مداخن المحارق يضاف إلى ذلك ظهور مشكلة جديدة هي الرماد الخطير المتبقي من عملية حرق النفايات وكيفية التعامل معه.

 

مزيد من الكوارث :

رغم أن الخارطة البيئة لدولة الكويت تثبت أن المجتمع مطوق من جميع الإتجاهات بالمنشآت الملوثة للبيئة ورغم ثبوت خطورة إنشاء محارق للنفايات الطبية الخطرة وضرورة إغلاق المحارق الحالية لأنها مرفوضة بيئيا إلا أن وزارة الصحة بالتعاون مع الهيئة العامة للبيئة قررتا إنشاء مزيد من المحارق متجاهلين الحلول العلمية الموجودة عالميا لحل هذه المشكلة ، حيث طلبت وزارة الصحة من الهيئة العامة للبيئة تخصيص موقعين لإنشاء محارق جديدة للنفايات الطبية وبالفعل خصصت الهيئة العامة للبيئة موقعين الأول جنوبا في نطاق محطة إستقبال ومعالجة النفايات الصناعية الصلبة بالقرب من منطقة أم الهيمان والآخر قد يتم تخصيصه شمال الكويت وبهذا تكون وزارة الصحة بالتعاون مع الهيئة العامة للبيئة قد طوقت المجتمع شمالا وجنوبا بالمحارق الخطرة .

 

الحل بدون محارق :

إن حل مشكلة محارق النفايات الطبية الخطرة يكمن في تطبيق إستراتيجيات إدارة ومعالجة النفايات الخطرة حيث أن الخطوة الأولى تكون بفرز دقيق للنفايات وتقليصها ووضع برنامج تدريجي لمنع إستعمال المواد الخطرة وذلك عبر وضع قواعد صارمة لتجهيز المستشفيات كتفادي شراء مواد تحتوي على بلاستيك PVC والمواد تحتوي على الزئبق والمواد الغير قابلة لإعادة التدوير والإستخدام ومن ثم إعتماد تكنولوجيات المعالجة البديلة للحرق كالتعقيم البخاري Autoclave والتعقيم بالموجات الصغرى Micro Waving .