01/10/2004: تدهورأوضاع غابة فيفى تكهولم التذكارية بالواحات البحرية

تحقيق الأستاذة : هدى كامل

عضو جماعة الخط الأخضر البيئية الكويتية

تصوير : احمد رمضان

 

مثلت الاستاذة فيفى تكهولم عالمة النبات السويدية رمزا للمعرفة التى لا تعرف حدودا سياسية أو جغرافية ، و كانت باقامتها على مدى ما يقرب من نصف القرن بمصر و حتى وفاتها عام 1978 نموذجا يحتذى به فى الاخلاص للعلم الذى نذرت له حياتها ، و تركت من بعدها مكتبة و غابات و تلامذة يحيون جميعا ذكرى تلك المحبة المخلصة للعلم . ومن يزر قسم النبات بكلية علوم القاهرة  يجد أبواب مكتبتها التذكارية مفتوحة له ، و يجد العالم الجليل الدكتور عبد الفتاح القصاص- أبا البيئة فى مصر- معرفا بها و بانجازاتها لعلم النبات ومعشبة الكلية .

 

و كانت الاستاذ فيفى تكهولم قد زارت الواحات البحرية فى مصر فى أوائل السبعينات من القرن الماضى ، و استطاعت أن توفر لهذه البقعة الصحراوية القاحلة فى الصحراء الغربية منحة للتشجير اختصت بها منطقة مناجم الحديد بالبحرية ، و من ثم سميت الغابة التذكارية هناك باسم العالمة السويدية .

 

بدأ زراعة شتلات الكافور والجازورين بهذه المنطقة فى منتصف السبعينات تقريبا  فى  خطة طموحة لزراعة مليون شجرة ، و لا ندرى على وجه التحقيق العدد الذى تم استزراعه فى ذلك الوقت ، لكن الشىء الذى يعرفه جميع زائرى الواحات أن أشجار" المناجم"  هى أول ملامح الخضرة التى تقابل القادم من القاهرة بعد ثلاث ساعات متواصلة من السفر وسط الصحراء الجرداء . وقبل أن نعرف قصة تلك الغابة التذكارية كنا نلتقط انفاسنا بمجرد أن تظهر رؤوس الجازورين فى الافق قبل أن نصل الى " المناجم " ربما بعشرة كيلومترات كاملة .

 

منطقة مناجم " الجديدة "بالبحرية تابعة لمصانع الحديد والصلب المصرية ، وقد تم توزيع اشجار المنحة السويدية على عدة قطاعات بالمنطقة ، فى المدينة السكنية للعاملين بالمناجم ، ومنطقة المزرعة ، و المشتل ، والادارة ، ثم الطريق الرئيسى القادم من القاهرة الى البحرية ، ثم الطريق المتفرع منه الى المدينة السكنية والادارة .

 

لكن الاشجار التى ترى من الخارج لم تكن لتعبر عن واقع أحوال هذه الغابة ، فقد فوجئنا فى زيارة للواحات منذ حوالى  الشهرين بخبر اعلان ادارة المناجم عن بيع بالمزاد العلنى لأشجار الغابة ، وكان هذا الخبر محركا كى نفهم  الدوافع وراء تدمير غابة وسط جحيم الصحراء ، خاصة وأن هذه الغابة لا تمثل ملمحا طبيعيا جماليا و حسب ، بل تمثل نعمة كبرى للعاملين واسرهم التى تسكن المستعمرة السكنية بنفس المنطقة .

 

زيارتنا للغابة فى أوائل أغسطس  الماضي  كشفت عن حجم الاهمال الذى تتعرض له الغابة ، بدعاوى نقص المياة و ضعف كفاءة الآبار وقلة العمالة الزراعية ، لكن الواقع ينطق باهمال المال العام وهو الاهمال الذى تشير حالة الغابة انه جار منذ سنوات طويلة .

 

لكن الأخطر من الاهمال أن يتم تعمد هذا الاهمال ليصبح الامر جريمة بيئية تكشف عن فساد ادارى يُغلب المصلحة المالية الهزيلة التى تغرى بعائد بيع أشجار الغابة ، على المصلحة المعنوية والبيئية والجمالية التى تعود على ساكنى المنطقة وعلى زائرى الواحات البحرية من جميع أنحاء العالم . كما أن الادارة قد ساقت فى معرض تبرير أوضاع الغابة أن نقص المياه يجعل أمامها خيار واحد اما الاشجار و اما الكسارة والنشاط الاساسى للمناجم ، وهو الذى يتم محاسبة الادارة عليه من المركز الرئيسى بحلوان ، و ليس العناية بالاشجار بطبيعة الحال .

 

واذا كانت ادارة المناجم تقدم تلك المبررات الواهية بنقص المياه و نقص الايدى العاملة الزراعية ، وتقدم مبررا ايضا لتفضيل العمل بالكسارة على رى الأشجار ،فان زراعات أخرى فى نفس المنطقة تحظى بالرعاية و الرى لان العاملين أنفسهم بتلك المناطق هم الذين يتولون سقايتها .

 

التبعية المنطقية لأشجار الغابة لادارة " مناجم الحديد " بحكم وقوعها فى منطقة العمل لم يعط الفرصة لاتباع هذه الغابة لادارة منفصلة فى الحكم المحلى أو وزراة الزراعة ، مما جعل ادارة المناجم تتصرف فى الغابة باعتبارها ملكا خاصا لها ، يمكن اهماله أو ازالته أو تدميره أو بيعه ، بصرف النظر عن المردود البيئى العام ، و بصرف النظر عن حقيقة وضع المسئولية القانونية عن هذه الغابة .

 

و لما كان المزاد المذكور قد أعلن عنه منذ شهور طويلة و تم الالتفات اليه فقط وقت تقطيع الاشجار بالفعل ، فقد قامت ادارة " المناجم " بمنعنا من زيارة "المزرعة " وهى المنطقة التى تمت بها مذبحة القطع والبيع .  المزاد أعلن عن بيع 200 طنا من أخشاب  الكافور والجازورين  وهو الحجم الذى يدحض ادعاء الادارة بانها اشجار جافة و متهالكة قامت بازالتها توقيا للحوادث بسقوطها على المارة والسيارات ، علما بان هذا البيع بالجملة لايمكن أن يكون الا لاشجارتم قطعها و تجهيزها لهذا الغرض ، فلا يمكن أن نفهم كيف يمكن تجميع و تشوين كل هذه الكميةمن المتساقط على مدى سنوات أو حتى شهور ، وهو الأمر الذى يحتاج تفرغا و عمالة على عكس ما تدعى الادارة بنقص العمالة و تفرغها لنشاطها الاساسى فقط وهو تجهيز خام الحديد لارساله لمنطقة المصانع بحلوان .

 

ولم تكن الادارة بطبيعة الحال لتسمح لنا بالاطلاع على البروتوكول الموقع بين شركة الحديد والصلب المصرية و مؤسسة المعونة الطبية السويدية أواخر السبعينات لتشجيرمنطقة  "المناجم " وهوالبروتوكول الذى لابد وأن يحدد مسئوليات و حقوق الطرفين .

 

كانت هذه حصيلة الزيارة التى قمنا بها للواحات البحرية خلال النصف الأول من أغسطس2004 مدعومين باهتمام المسئولين بجهاز شئون البيئة متمثلا فى مكتب خدمة المواطنين و متابعة اللواء عاطف يعقوب بنفسه  لتطورات الزيارة ، ومدعومين بمساندة جمعية محبى الاشجار بالمعادى ، و أيضا مدعومين باهتمام رئاسة مدينة " الباويطى " بالواحات البحرية متمثلة فى رئيسها السيد / حسن مصطفى الذى أوفد نائبه الاستاذ/ احمد ابراهيم و المهندس/ سيد سنوسى من مديرية الزراعة بالواحات البحرية معنا فى زيارتنا للمناجم  .

 

ولا يبقى الا أن نسجل توصياتنا وهى التى سوف نقوم بايصالها الى جميع من يهمهم الأمر ، سواء على المستوى المهنى والوظيفى بجهاز شئون البيئة ، أو على المستوى العام المتمثل فى جمعيات الحفاظ على البيئة و الشخصيات العامة ذات الصلة ، و الصحف و المجلات ،وأيضا سفارة السويد والمؤسسة الطبية السويدية صاحبة المنحة ، علنا جميعا نصل لأن تعود غابة  " المناجم " الى سابق عهدها حتى أوائل التسعينات، وعلها تظل تلك الواحة الصغيرة على طريق الواحات البحرية الكبيرة ، التى نذهب اليها جميعا ويأتى اليها من أنحاء العالم محبو الطبيعة البكر و محبو الخضرة وسط الصحراء .

 

التوصيات :

  • الايقاف الفورى لأى عمليات لتعطيش أو  تقطيع أشجار الغابة فى أى من قطاعاتها.

  • ايفاد لجنة من جهاز شئون البيئة لتفقد أوضاع الغابة و زيارة كامل المنطقة بما فيها منطقة " المزرعة " التى حيل دوننا و زيارتها .

  • تفعيل قانون البيئة الذى يعاقب قاطع الشجرة بالسجن .

  • النظر فورا فىالمسئولية القانونية عن الاعلان عن البيع بالمزاد لاشجار الغابة، سواء كانت هذه المسئولية واردة فى البروتوكول الموقع بين المؤسسة السويدية وووزارة الصناعة التابعة لها مصانع الحديد والصلب ، أو لم تكن ، باعتبار أن الغابة تمثل منفعة عامة لسكان المستعمرة والعاملين بالمناجم ، أو لزوار الواحات البحرية على السواء .

  • عدم السماح ببيع حتى الأشجار المتساقطة أو الجافة لأن وجود مبدأ البيع من شأنه التشجيع على القطع ، و كذلك عدم السماح بخروج أخشاب الاشجار المتساقطة من حدود الواحات البحرية ، واستخدامها فى الداخل فقط فى الشئون اليومية للأهالى الذين يلجأؤون كثيرا لاستخدام جذوع الجازورين كدعامات فى بناء المساكن التقليدية أو لاستخدامها فى تعريش الأسقف الخشبية .

  • البدء على الفور فى استزراع شجيرات فى الاماكن التى قطعت فيها الأشجار فى محاولة لتعويض المهدور سواء نتيجة للأهمال ، أو التقطيع المتعمد ، أو المتساقط دون تعمد . علما بان مشتل المناجم لديه الشتلات المطلوبة .

  • النظر فى نقل تبعية رعاية غابة فيفى تكهولم لجهة غير ادارة " المناجم " مثل وزارة الزراعة ، أو مجلس مدينة" الباويطى" ، أو مجلس قرية " الحارة " أقرب القرى اليها ، لتكون المسئولية محددة  ، و لادراج رعاية الغابة فى ميزانية الجهة الجديدة  لتفرد لها ميزانية توفر العمالة و المهندس الزراعى المقيم والمنوط به توجيه العمل بها ، وهو مالا يتوفر فى الوضع الحالى .

  •  ضرورة التنسيق بين الجمعيات الأهلية العاملة فى مجال حماية البيئة والمحافظة على الطبيعة ، لمتابعة أوضاع الغابة و حتى وصولها الى الحالة التى تجعل منها واحة ينعم بها الجميع  .

بدون تعليق

 

خلف هذه الغابة  الجميلة تقع الكارثة فقد قاموا  بتقطيع 200 طن من اشجارها ورفضوا دخول الكاميرا الى المزرعة حيث المذبحة .( البيع يتم باوراق وفواتير تحمل اختام وزارة الصناعة )

 

صفوف كاملة من الاشجار اهمل ريها فصارت احطابا .

 

هكذا تبدو اشجار الجازورين التى لا تروى ، مجرد اخشاب هزيلة واوراق ابرية صفراء جافة

 

بدون تعليق

 

أمام مبنى الادارة ، اشجار جافة و ازالات بالجملة للباقى منها